الحديث عن فرص التمكين وإستثمار العنصر البشري نبع لا ينضب وهنا استكمال لحديثي الأسبوع الماضي عن رأس المال الوطني، لنقف عند ما تبذله المملكة العربية السعودية في سبيل رعاية فئة الشباب، الذين يشكلون نسبة عالية تصل إلى 70% من سكان المملكة الذين هم دون الخامسة والثلاثين؛ أي إن الشريحة الأكثر قابليةً للإندفاع والانخراط في ما يحصل من تغيرات في مجال التحول الرقمي العالمي مع ما يصاحب ذلك من مخاطر وتحديات، فكانت أكثر من مبادرة تعنى بشؤون الشباب ودُفعت استثماراتٌ خيالية في قطاع الألعاب الإلكترونية والرياضات الجديدة، ليتحوّل الشغف شبه العشوائي إلى صناعةٍ تُدرُّ دخلًا وفرص عمل، لكنها قبل ذلك تثبّت الانتماء.
ولا يمكن إغفال الريادة في عنصر الخدمات الرقمية في المملكة فقد تصبح منصّة «أبشر» في وعينا جمعًا من الخدمات، لكنها في الحقيقة أداة لخدمة ملايين المواطنين بكبسة زر.
أخلص من هذا كله إلى أنّ المملكة العربية السعودية، قدّمت برهانًا عمليًّا على أن المجتمعات المتماسكة لا تُصنع بالخطب ولا بالمناورات الشعبوية، بل بمزيجٍ دقيقٍ من التاريخ المشترك، والإرادة السياسية، وشبكات الأمان الاجتماعي، في زمنٍ يعاني فيه العالم من ضمور «الغِراء» الذي يربط الناس بدولهم، تصنع السعودية وصفةً تقول ببساطة: حافظ على ثوابتك، طوّر أدواتك، واجعل الإنسان مركز خطّتك.
قد لا يكون النموذج السعودي قابلًا للاستنساخ الحرفي، فلكل أمةٍ ظروفها وخصوصيتها، لكن الرسالة الأهم أنه حتى في قلب الصحراء يمكن أن ينبت مشروعٌ مجتمعيٌّ متماسك، إذا توافرت رؤيةٌ واضحة، وقيادةٌ تُتقن لغة المستقبل، ومجتمعٌ لم ينسَ جذوره. ولعلّ في هذا درسًا يحتاجه الشرق والغرب معًا، ونحن نطلّ على عقدٍ دوليٍّ تبدو فيه «الهوية الوطنية» سلعةً نادرةً لا تُقدّر بثمن.
alnajeeh@gmail.com