أحمد عبدالرحمن سنكي


تخيل شخصين تم وضعهما في مكان مغلق لفترة طويلة، لا خيار فيه للتباعد، تجمعهما مهام يومية مشتركة، ويُلزمها السياق بالتفاعل المستمر. قد تكون العلاقة في بدايتها طبيعية، قائمة على المجاملة أو التعاون، وربما يسودها الانسجام الظاهري. لكن بمرور الوقت، تبدأ مؤشرات غير مفسّرة بالظهور: انزعاج من أبسط التصرفات، حساسية مفرطة تجاه نبرة الصوت، قراءة النوايا بطريقة مشحونة، ورفض تلقائي لكل ما يصدر عن الآخر حتى لو كان منطقيًا. لا يوجد خلاف فعلي، ولا إساءة حقيقية، فقط نفور يتسلل بصمت ويأخذ مكانه في المسافة غير المنطوقة بين الطرفين. هذا ما يُعرف في علم النفس والسلوك الإنساني بـ»العداء غير العقلاني» - نمط من الشعور السلبي لا يستند إلى منطق موضوعي، ولا يتغذى على مواقف محددة، بل ينبع من التكرار، الاحتكاك، والضغط المتراكم الذي لا يجد له متنفسًا.
العداء غير العقلاني لا يحتاج إلى خصومة، ولا إلى أزمة كبرى كي يظهر. يكفي أن يتكرر التفاعل مع شخص معين في ظروف ضاغطة، أو في بيئة مغلقة فكريًا أو اجتماعيًا، حتى تبدأ الآليات النفسية غير الواعية بالعمل: المقارنة، الانزعاج من التفاصيل الصغيرة، شعور خفي بالتهديد، أو انطباعات مبهمة تتحوّل بمرور الوقت إلى مواقف ثابتة. هذا النوع من العداء شائع في الحياة الزوجية، وفي الشراكات المهنية، وفي المؤسسات التي تعتمد على العمل الجماعي. لا لأن الأطراف سيئون أو غير منسجمين، بل لأن كثافة التفاعل تسحب المشاعر من منطقة السيطرة، وتدفعها نحو مسارات غير محسوبة، يُعاد فيها تفسير كل تصرف، ويُبنى الانطباع لا على الفعل، بل على الشعور المسبق نحوه.
في حياتنا اليومية، نشهد هذه الظاهرة بأشكال مختلفة. قد تجد زميلًا في العمل يرفض باستمرار كل اقتراح يصدر من شخص معين، لا لأنه غير مفيد، بل لأن مجرّد صدوره من هذا الشخص يستفز فيه شعورًا دفينًا بعدم القبول. في العلاقات الأسرية، قد يتشكّل هذا العداء بين إخوة أو شركاء في الحياة، رغم غياب أي خلاف مباشر، فقط لأن كل طرف صار يرى في الآخر مرآةً لإحباطاته أو ضغطه اليومي. وفي بعض الأحيان، لا ندرك أننا نمارس هذا العداء، بل نظنه «رأيًا» أو «موقفًا عقلانيًا»، بينما هو في حقيقته استجابة انفعالية ناتجة عن تراكم غير مُفحوص.
خطورة هذا النمط أنه ليس دائمًا ظاهرًا أو معلنًا. بل ينساب بهدوء في تفاصيل التعامل، في نبرة الحديث، في القرارات الصغيرة التي تُبنى على أسس شخصية لا يُقال عنها شيء. وتكمن المعضلة في أن الطرف الآخر قد يشعر به دون أن يملك القدرة على تسميته، أو مواجهته. فيبدأ بدوره بالدفاع، بالانسحاب، أو بردّ الفعل غير المدروس. وهكذا تتكوّن دائرة مغلقة من التوتر المتبادل، يصعب فيها تحديد من بدأ أولًا، أو كيف يمكن تفكيكها.
هذا العداء اللاعقلاني لا يُنتج فقط أجواء سلبية، بل يعطّل بيئات العمل، ويقوّض العلاقات المستقرة، ويشوّه الأحكام.. الوعي بهذه الظاهرة هو الخطوة الأولى في مواجهتها. لا أحد محصّن منها. والمطلوب ليس إنكار الشعور، بل فحصه: لماذا أرفض هذا الشخص أو أقف على الدوام في الضد منه؟ هل السبب فعلي وموضوعي؟ أم أنه انعكاس لتعب داخلي، أو لتجربة سابقة أُسقطت عليه دون قصد؟ إننا لا نطالب أنفسنا بمحبة الجميع، بل بأن نكون منصفين بما يكفي لعدم تحويل مشاعرنا الخاصة إلى حقائق عامة.
في زمن تزداد فيه المساحات المشتركة - المنزل، المكتب، الفريق، المجتمع الرقمي - فإن فهم العداء غير العقلاني ليس ترفًا سلوكيًا، بل ضرورة تنظيمية وإنسانية. لأن تجاهله يؤدي إلى قرارات خاطئة، واستنزاف غير مبرر للعلاقات، ويخلق بيئة متوترة يسهل فيها الانقسام، ويصعب فيها البناء المشترك.
ahmadsinky@hotmail.com