ماذا يعني رمضان لنا؟ النوم أم العبادة أو كلاهما أم غير ذلك، فهناك الكثير من العادات السلوكية المجتمعية والتي أصبحت جزءا من هذا الشهر الفضيل. في القديم لم يكن يعني رمضان شهر النوم بالنهار. وهو المأخذ من السلوك المجتمعي والذي يحاول الكثير من الفقهاء تعديله. فنرى مشاهد السهر حتى الفجر وما بعده، والنوم للعصر أو ما قبله بقليل، وهناك من يصحى على آذان المغرب. وما يهم هو مشاهدة طاش وشرب الفيمتو وأكل السمبوسة والتفنن بحجمها وما بها وشرب شوربة كويكر والعدس. إلا أن لرمضان معاني وسلوكيات أبلغ من هذا كله، وتلك العادات لم نكن نشاهدها بالقديم ولعل لكل جيل نمطه وعاداته إلا أن لرمضان زمننا نكهة مميزة فقدناها اليوم من تلك العادات والسلوكيات الجميلة.
وربما أن من الأسباب أن جيلنا أدرك ووعى على جيل ما قبل النفط، ورأى التغيرات المجتمعية من السلوك بقدوم الحداثة ومن أجهزة وتطورات العصر. ورأى مشاهد لا يدركها جيل اليوم. فقد عاش ذاك الجيل بمنازل طينية، وأمضى حياته دون كهرباء أو ماء للمنازل. حديثهم كان لا زال يحن للغوص واللؤلؤ الذي انتهى بانهيار أسعاره، وذاك النوخذة وتلك الدانة، وتدهشهم تلك المشاهد العصرية والتي قدمت مع شركة النفط أرامكو من الأجهزة الحديثة. حتى أن الماء المقطر سمي باسم الأمريكي ممن كان يصنعه ويبيعه في الظهران بماء «بيذر».
فعندما وعينا على الدنيا لم يكن هناك إلا الراديو وبه عدد قليل من المحطات وكان أغلبها لشركة أرامكو. ولم يكن هناك تلفزيون وكانت أول المشاهد التي أذكرها عندما قدم التلفزيون الأبيض والأسود هو لقناة تلفزيون الكويت وافلام الكرتون ودعايات عباس علي الهزيم للسجاد والتي كنا نحفظها ونغنيها. لم يكن بمنزلنا مكيف حيث لم تكن تخترع بعد أو من أن يصلنا. وكان بمنزلنا مراوح نسميها «بنكه» وليس بكل غرفة، وكان منزلنا من أوائل المنازل بالخبر التي بنيت بالأسمنت. لم يكن لدينا هاتف بداية وبعد أن أدخل كان بيد تدور ولم يكن يسمح لنا استخدامه ونحن أطفال.
ذاك الزمن قد تغير وتغيرت معه مظاهر الحياة وعاداته ونمط سلوكيات الأفراد فيه. وهو كما في رمضان وعاداته إلا أن يظل رمضان ونتغير نحن، ويظل هو الشهر الفضيل، شهر العبادة والصوم والإحسان والبر. ونظل معه نعيش تطور الحياة ووسائلها وطرقها واساليبها نحاول فيه أن نرشد الأجيال لما كان من الحكمة. ولعلنا ننجح بظل الزخم الكبير من الفوضى المعلوماتية بأسباب تعدد وسائل التواصل الاجتماعي، وتخالط المجتمعات عما كان بالقديم، فالمهمة أصعب لإرشاد الأجيال. وقد كان جيلنا بالماضي تأدب على كلمة حاضر أو الضرب، وبهمها يقوم السلوك، أما اليوم فهو الاقناع والاقتناع. وربما أن يقال نعم ويأتي دون فعل وعمل نتيجة الزخم الكبير خارج المنزل من التشويش والفضاء المعلوماتي فتفقد النصيحة فعاليتها. فالأمثلة خارج المنزل شحيحة وفور استخدام وسائل التواصل. وما هي إلا لإعلانات عن مسلسلات أو لأطباق أكل. فهو جيل الترفيه والزمن والنصيحة قد لا تسعفنا مع كل تلك المؤثرات.
ويظل من ينام من هذا الجيل وإلى ما قبل آذان المغرب. ويظل أيضا جيل من دخل سوق العمل من الشباب لتوه يطلب العفو بالإجازة من العمل لشهر رمضان فهو لا يستطيع العمل أغلب النهار وهو صائم. وكذلك طلبة المدارس وأكثرهم يتنطع بأسباب وسائل الراحة الأخرى فبالنسبة لهم الصوم هو أصعب شيء ربما بالحياة فيقضونه نوما، فلم يشاهدوا ويعيشوا تلك المشاهد من التعب والمعاناة بأسباب طبيعة الحياة آنذاك والتي كان أقلها الصوم بل هو من أسهلها. ويظل من يسأل ما هي مسلسلات هذا العام وينتظر طاش رغم تفرق ممثليه.
قدوم شهر رمضان هو فرحة، ففيه بدأ نزول الوحي، وبرمضان شرعت الزكاة وصلاة العيد. وبه فتحت مكة المكرمة وطهر الحرم الشريف من الأصنام. وفيه من العشر الأواخر يوم ووقت معلوم لا يسأل فيه طالب وصاحب حاجة الا استجيب له. فهو شهر الغفران وشهر الرحمة وفضائل هذا الشهر الكريم لا تعد ولا تحصى. وأقف هنا متمنيا وداعيا لكم بصيام مقبول وذنب مغفور وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وكل عام وأنتم بخير.
@SaudAlgosaibi