فيصل الظفيري يكتب :

التربية عملية مستمرة لا تتوقف عند سن معينة، ويكاد الإنسان يتعلم ويتغيّر حتى آخر يوم في حياته، والعوامل المؤثرة في التربية كثيرة، ويختلف تأثيرها من عامل لآخر، ولكن يبقى للوالدين الأثر الكبير الذي لا يجاريه عامل ٱخر من ناحية قوة التأثير، حيث تشكّل الأسرة جزءًا كبيرًا من شخصيات أبنائها؛ لذلك ركَّز الرسول «صلى الله عليه وسلم» بوصاياه الكريمة على أهمية الأسرة، حتى قبل تكوينها عبر الاختيار الصحيح للزوجة، وتحقيق التكافؤ بين الزوجين، والكثير من التوجيهات النبوية تركّز على أن تكون مخرجات هذه الأسرة مخرجات طيبة «بإذن الله تعالى؛ لتساعد في نهضة المجتمع واستقراره.

وكثير من التوجيهات التربوية المباشرة وغير المباشرة التي تأتي من الوالدين لأبنائهما ينعكس أثرها على سلوكياتهم في الصغر والكبر، بل إننا في كِبَرنا نقلّد إلى حد كبير سلوكيات وتوجيهات والدَينا في تربيتنا أبناءنا، لذلك فالتربية عملية خطيرة إن لم تُحسن الأسرة قيادتها، والتحكم فيها، بل إن خطورتها تزداد في هذا الزمن مع تطور التكنولوجيا وسهولة استخدامها وظهور عوالم خفية تنافس الأسرة على أدوارها، فبرامج التواصل وشياطينها التي تديرها تجعل التربية عملية شاقة جدًّا للأسرة، فتتنافس مع عالم مجهول يعطي توجيهات بطرق خفية تغيّر من شخصيات الأبناء حتى دون أن تحسّ الأسرة بها، بل إن الكثير منا لا ينتبه إلى هذا الخراب الذي تصنعه هذه الوسائل الخفية إلا بعد استفحال الضرر في نفوس الأبناء؛ مما يتطلب جهدًا كبيرًا على الأسرة؛ لمتابعة أبنائها، وشغل وقت فراغهم بأنشطة مفيدة، والحد من خلاوات الغرف المغلقة التي تعزل الأبناء عن أسرهم، وخطواتنا التي نمشيها كآباء هي في الغالب نفس الخطوات التي يمشيها أبناؤنا خلفنا، وهي بالضرورة تتطلب منا أن ننتبه لها، ونراجعها خطوة خطوة حتى لا تكون طريقًا لهلاك أبنائنا، وهو أمر يدفعنا إلى ضرورة الاستبصار بالنفس، ومعرفة جوانب ضعفها، ومعرفة السلوكيات التي تحتاج إلى تغيير في شخصياتنا، وهي أمر هام يتطلب من كل منا أن يراجع تصرّفاته ويدرس سلوكياته، ويحاول أن يبذل جهدًا في تغيير بعض الطباع والسلوكيات التي تسبب له أزمات في حياته وتعاملاته مع الآخرين حتى لا يجد أنها تُحاكى من أبنائه دون أن يشعر، فيكبروا عليها وتصبح من صفاتهم الشخصية التي تسبب لهم أذى نفسيًّا يصعب التخلص منه، وكثير منا يعتقد أن طباعه لا يمكن أن تتغيّر فقد وُلد بها، وهو هكذا، وعلى الناس أن تتقبلهم بعلاتهم، لكن الواقع يختلف كثيرًا، فكثير من سلوكياتنا يمكن أن تتعدل بقليل من الجهد، وكثير من الصفات الإيجابية يمكن أن تُكتسب، وإيماننا بأن لدينا عيوبًا وأننا لسنا بكاملين هو بداية الحل للتغيير، فلا يمكن أن يتغيّر إنسان وهو لا يرى نفسه ذا عيب، ولو لاحظنا لوجدنا أن كثيرًا من سلوكياتنا السلبية قمنا بتعديلها إما إرضاءً لمسؤول أو حياءً من صديق، وهي أولى برأيي أن تعدَّل حرصًا على ألا يتقمصها أبناؤنا من بعدنا.

@dhfeeri