صالح المسلم

قبل سنوات مضت انظر إلى جاري وحجم الزائرين عنده، خاصة الخميس والجمعة، بيته مليء بالناس والحركة والأنوار مضاءة والداخل والخارج، والأصوات تتعالى.. وبعد فترة من الزمن اختفت هذه المظاهر وأغلق بابه، ولم يعد للأنوار والحراك مكان في الحي، فسألته فقال لي بالحرف الواحد (انطفأ نور البيت وسراجه) لم استوعب هذه الكلمة للوهلة الأولى، ولم أعيها سوى بعبارات قليلة ولم أعشها بالشكل الذي يعيشه هو، لم أشعر بقوة ألمه..!

وكانت والدتي -رحمها الله- تعيش بيننا ونشعر بالنور والحراك والروح والأمل ونتنفس الحياة.. مرضت وكان المستشفى مكانا لنا، ونجتمع هناك غرفتها مليئة، وكانت حياتي ومشاويري من المنزل إلى المستشفى ورغم كونها مريضة إلا أنني أحمد الله وأشكره على أنها على قيد الحياة تتنفس وترد إليّ الصوت والدعاء.

دخلت العناية وبدأت المعاناة ليس معاناتها فقط، بل معاناتي من فقدانها وبدء العد التنازلي. كنت أراقب (أمي) يوما بعد يوم، كان أملى خروجها من المستشفى والآن أتمنى فقط خروجها من العناية لترد على الصوت. تضاءلت الآمال وقللت الأهداف (أملى بالله كبير وثقتي بالله أكبر)، ففي كل سجدة أدعو الله أن يزيل عن أمي الغمة، وأن يعيدها إلى الغرفة، أن تكون بصحة جيدة.. أن تتكلم معي، أن تدعو لي.

تضاءلت الآمال وكنت أراها تودعنا يوما بعد يوم، ولكنني أعيش الحلم، ولم أعِ معنى الفقدان.. صعب أن تصدق الموت وصعب أن تصدق أنك لن ترى (أمك) بعد الآن ولكنه قضاء الله وقدره.

كانت ليلة الخميس.. جلست انظر إليها من خارج الحاجز الزجاجي لمنعنا من الدخول عليها، وكان الأطباء قد قرروا لها غسيل كلى بعد أن توقفت تماما. أملنا بالله كبير ودخلت في غيبوبة، ولم أصدق كلمات الأطباء بأنه ربما يتوقف قلبها في أي لحظة، فهي تعيش لحظاتها الأخيرة نظرت إليها، وكانت سبحان الله تنظر إلى السماء..

خرجت إلى منزلي وما أن وصلت بساعات حتى جاء الهاتف والمكالمة الأسوأ في حياتي (رحم الله والدتكم فقد ذهبت إلى جوار ربها) أمك تطلبك الحل... صعق الكلمات والخوف من التصديق والهروب من الواقع وانتفاضة الإيمان والقضاء والقدر كانت جميعها في رأسي..

ذهبت إليها وكانت مغطاة ولأول مرة أشعر بمرارة جاري وصوت جاري وسراج جاري..

فقدان الأم عظيم..

مَن كانت له أم، فليعش أجمل اللحظات معها ويجعلها أسعد الناس، فوالله لا تعلمون متى تفقدون هذا النور.

@salehAlmusallm