عندما يتخرج الأطباء يؤدون القسم بتقديم الرعاية الصحية لمَن يحتاج إليها بصرف النظر عن جنسياتهم، دينهم أو معتقداتهم، فهذه رسالة إنسانية قبل كل اعتبار. ولكن نسمع بين الفينة والأخرى تساؤلات عن تقييد المرضى بالتزامات دينية واجتماعية إذا كانوا مثلا يتعاطون المخدرات ويخالفون تعاليم الدين والمثل الاجتماعية قبل تقديم الرعاية الصحية لهم. وقبل أن تتسرع أخي القارئ وتجيب بناء على خلفيتك الدينية والاجتماعية، دعني أضع بعض السيناريوهات الشائعة، التي يمر بها الطبيب ليس فقط في الغرب الذي يدرب كثيرا من أطبائنا، ولكن أيضا في المملكة بحكم تجربتي كطبيب نفسي في الولايات المتحدة الأمريكية والخليج والمملكة قرابة الخمسة وثلاثين عاما. وأبدأ بكون شريحة لا بأس بها من المرضى النفسيين يعانون من أعراض شديدة مثل الذهان واضطراب المزاج ثنائي القطبين وغيرها من الأمراض، التي تفصل المريض عن الواقع، ولا يستطيع في كثير من الأحيان التمييز بين الخطأ والصواب بما في ذلك التعاليم الدينية ناهيك عن إدراك القيم والمثل الاجتماعية، كما أن هناك شريحة من المرضى ممن يعانون من اضطراب الاكتئاب الشديد، الذي قد يسبب هلاوس بصرية وسمعية تفصل المريض عن الواقع فتكون قدرته على التميز واتخاذ القرارات والسلوكيات المقبولة غير موجودة بدرجات متفاوتة. وفي كثير من الأحيان يلجأ المرضى لاستعمال الكحول والمخدرات كنوع من العلاج المؤقت لأعراضهم لعدة أسباب، منها شدة الأعراض، عدم معرفتهم بطبيعة أعراضهم ووجود علاج لها، وفي أحيان كثيرة وهذا منتشر، خاصة في مجتمعاتنا العربية، هو وجود الوصمة الاجتماعية، فيتجنب المريض أو ذووه رؤية الطبيب النفسي حتى لا يتم اتهامه بالجنون والمرض النفسي من قبل الأقارب والمعارف. ويستمر في المعاناة أو قد يقدم على تجربة المخدرات والكحول بتأثير من رفقاء السوء بهدف التخفيف من معاناته، فهل يكون هناك عذر للمريض في مثل هذه الحالات أم ننظر إلى ذلك المريض كونه ارتكب المعاصي، ويجب محاسبته في سياق العلاج؟ وفي هذا السياق تحضرني أسئلة كثيرة، مثل هل نتجنب علاج المسجونين من مدمني المخدرات أو لأنهم قاموا بسرقة أو غير ذلك من المخالفات الدينية وقواعد السلوك الاجتماعي؟ وبالمثل هل نرفض علاج شخص يعاني من الهوس الجنوني؛ لأن له علاقات نسائية؟ ألا ترون معي وجوب حيادية الطبيب في كثير من هذه الحالات وخطورة التعامل مع مرضانا بناءً على القواعد الدينية والاجتماعية. ألا تكفي معاناتهم من الوصمة الاجتماعية للمرض النفسي؟ كثير من النصوص في ديننا الحنيف تشير إلى أن هذه الفئة من المجتمع مرفوع عنهم القلم بحكم غياب الإدراك والقدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة. دعوني هنا أناقش سيناريوهات أكثر صعوبة في الحكم، مثل أن يكون المريض غير مسلم وبحكم ديانته وثقافته فقد يكون تعاطي الكحول أو العلاقات النسائية خارج إطار الزواج شيئا مقبول، فهل نمتنع عن علاجه؟ هناك قاعدة مهمة للممارسين الصحيين وهي وجوب عزل مشاعرنا ومعتقداتنا أثناء تقديم الرعاية للمرضى حتى لا يكون ذلك عائقاً في حصولهم على الرعاية المطلوبة. وأخص هنا العاملين في حقل الصحة النفسية، فنحن نمر في كثير من الأحيان بمواقف صعبة، فقد يقوم المريض في أحيان كثيرة بأعمال مخالفة للدين والقيم الاجتماعية، فهل نصدر حكماً بعدم تقديم الرعاية للمريض؟ أو هل يجيز لنا ذلك أن نعاملهم بازدراء؟ هذا منحدر خطر وفيه مزالق كثيرة وينافي قيم ومثل الرعاية الطبية والإنسانية. تشير كثير من الدراسات إلى أن إيمان المريض بالقيم الدينية وممارسة العبادات عامل إيجابي في العلاج، وعلينا أن نشجع المرضى على هذه المثل إذا كانت لديهم القابلية والاستعداد النفسي لذلك، ولكن علينا تجنب فرض قيمنا ومعتقداتنا على المرضى، فهناك عامل مهم هو أن نعطي المريض الإحساس بأن ما نقدمه لهم ليس مشروطا باتباعهم معتقداتنا فيقبلون على العلاج والعكس صحيح، فإذا أحس المريض بأن مَن يقدم له الرعاية يحكم على سلوكهم وتصرفاتهم وينظر لهم بمنظار الناقد، فقد ينفر من العلاج، وقد يؤدي ذلك إلى تدهور حالته.
إقحام الدين بطريقة غير مسؤولة في هذه المهنة خطر كبير على جميع الممارسين الصحيين والمرضى على حد سواء، وهو خطاب شعبوي هدفه واضح، وهو الظهور بمظهر المصلح والواعظ الاجتماعي لكسب تأييد فئة معينة من المجتمع، وهذا يخالف رسالة الطبيب، بل إنه نوع من الاتجار بالدين.
@almaiahmad2
إقحام الدين بطريقة غير مسؤولة في هذه المهنة خطر كبير على جميع الممارسين الصحيين والمرضى على حد سواء، وهو خطاب شعبوي هدفه واضح، وهو الظهور بمظهر المصلح والواعظ الاجتماعي لكسب تأييد فئة معينة من المجتمع، وهذا يخالف رسالة الطبيب، بل إنه نوع من الاتجار بالدين.
@almaiahmad2