غنية الغافري

«الحش» يأتي بمعنى قطع النباتات وهو في الغالب كلمة عامية متداولة بين المزارعين لكنها تعني في عالم السوالف (الغيبة) وذكر الغائب بسوء وتقطيعه إربا إربا ! وعنوان بعض الاجتماعات أو الاتصالات: هيا بنا نحش ! أي دعوة واضحة بينة لا تأتي مع السياق بل السياق يأتي بها عنوة أي مع سبق الإصرار والترصد وأجمل أنواعها ما يكون بعد عرس أو وليمة !! وهو بمثابة الاستديو التحليلي مغفور العواقب فالضمير لا يكون حاضرا في هذه الجلسات فائقة الإثارة والتشويق فكل فرد يدلي بدلوه في عائلة معينة أو شخص ما متداولينه من قمة رأسه لأخمص قدميه والفائز من يزيد الكيلة ويضع بعض البهارات على «السالفة» التي لولا بهاراته لم يكن لها قيمة !

ومع التحول الرقمي انتقل «الحش» للتقنية فلا بد أن يواكب العصر ففي كل وسيلة تواصل تجد «الحشاشين» وهم ليسوا متعاطي المخدرات «أعوذ بالله» لكنهم متعاطو أعراض الناس ! وإن كان الإدمان هو ذاته فالحشاش مدمن الغيبة يجد في كل شخص ما يعيبه ويسخر منه وينقل عنه وفي أفضل حالات المدمن إن لم يستطع الحديث بصوت مسموع أو مواجهة الضحية أو كان الضحية «أبو لسانين» مثلا ! فإنه يكتفي بالهمز واللمز ونظام «إسمعي يا جارة».

والحشاشون فاعلون في وسائل التواصل ينتقون الفضوليين ويجمعونهم مع كل حدث في «قروب» واحد ليرضوا فضولهم وليشاركوهم جلسات التحليل فتجده يجعل من المجموعة التي تحوي 50 عضوا فروعا متعددة حسب الموضوع الذي يتم النقاش حوله وحسب اهتمام الأشخاص وفي سرعة البرق يحلل في كل مجموعة وأهم عباراته «ما عليكم منه» «اسفهوه»! أو يتفقون على تطفيشه ! حتى يترك الضحية الجمل بما حمل ويقرر المغادرة.

أما المشاهير فنظام الحش لديهم من درجة الـ (في آي بي)، فهم يحشون «عيني عينك» هذا «يشرشحه» في غيابه على العلن وذاك يرد مع وجود «معززين» للطرفين لذلك تكثر المنازعات والمقاطعات والتحزبات وفرد العضلات و«المجاكر» والافتراءات والتهم.

والحش صفة تم إلصاقها بالنساء لكن مع نظام المساواة فلا فضل للنساء فيها فالجميع ممارس وشغوف ولو قيض لهذه الفئة داعمون مجتهدون لوضعوا لهم جائزة ينالها أكثرهم عملا واجتهادا ! حتى لا تضيع جهودهم سدى ! ويجمعون الآثام دون فائدة ! والحقيقة أن بعض البشر يحتاجون الناصحين الذين يوقظونهم من غفلتهم لأن البعض وصل مرحلة لا يجيد معها استخدام «الفرامل» في الكثير من المحذورات والمنهيات فيتمادى.

لكن أبشع صور الحش أن تأتي من الكبار سنا ومكانة ! وقد تعجبت من شخصيات لها اسمها في مجالها لا شغل لها إلا «المحارش» في الناس ونشر المحتوى الموغل للصدور واستثارة الأشخاص وكان الأجدى بهم في هذه السن أن «يفرشوا سجادة الصلاة ساجدين راكعين مستغفرين» فمنظرهم سيكون أكثر سكونا وهدوءا واتزانا !!

خاتمة

يقول أبو العتاهية:

إياك والبغي والبهتان والغيبة

والشك والشرك والطغيان والريبة

ما زادك السن من مثقال خردلة

إلا تقرب الموت منك تقريبة

@ghannia