عبدالله العزمان

جاء إعرابي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود، وإني أنكرته، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فأنى هو؟ قال: لعله يا رسول الله، يكون نزعه عرق له، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: وهذا لعله يكون نزعه عرق له.

حسن الظن خلق سامٍ، يخلص النفس من الشكوك التي يسوقها الشيطان إليها، أو مما عبثت بها النفوس الخبيثة من بني البشر، فالإجابة الشافية دوما على تلك التساؤلات المشؤومة، هو الدرس النبوي الذي لقنه النبي لصاحب الإبل، لعله يكون نزعه عرق له.

فالكلمة التي قالها أخوك أو قالتها أختك، أو صديقك لو أحسنت الظن بقائلها، لوجدت أنهم لم يقصدوا بها الإساءة إليك، أو الانتقاص من شأنك، أو إحراجك، وإنما وسوسة الشيطان لك أو لمز أحد الحضور، هو مَن تسبب في ذلك، ولو أحسنت الظن، لما تأثرت بذلك الكلام ولما عشت دهرا تجتر ذلك الموقف، وتتذكره، وتزيد في تأثيره عليك حتى لربما تسبب ذلك في جرح عميق لا تضمده إسعافات طبيب.

صاحب الظن السيئ، هو مَن يغلب الشك على اليقين، ومَن لا يحمل الكلام على الوجه الأجمل والأحسن، بل هو دائم الشك بأقوال الآخرين وتصرفاتهم، فهو يتوجس من كل كلمة تقال، ومن كل تصرف يحدث، وهو عافنا الله وإياكم دائم الهم، يأكل في نفسه، لا يستطيع أن يرتاح، ولا تجد له صديقا مهما بلغت عمق تلك الصداقة بينه وبين صاحبه، لأنه بمجرد أن يجد من هذا الصاحب تصرفا مختلفا، سيشعر بعدها بأنه تحول بالنسبة له، إلى خندق الأعداء، وسيرجع إلى مواقف سابقة كانت بالنسبة لصاحبه عادية في ظاهرها، ولكنها لم تكن بالنسبة لصاحبنا ليست كذلك، بل تلك المواقف مؤرشفة وجاهزة للاستخدام. قال ابن القيم: (سوء الظن: هو امتلاء القلب بالظنون السيئة بالناس، حتى يطفح على اللسان والجوارح).

وحالة صاحبنا هذا متقدمة وميؤوس منها، إلا أن يشاء الله، لأنها تحتاج إلى علاج نفسي طويل يشعر معها صاحب هذا المرض، بمدى خطورة ذلك عليه وعلى مَن حوله، وعند ذلك قد تكون له وصفة علاج ناجعة تخلصه من ذلك.

إن حسن الظن، خلق كريم ورفيع، يسمو بالمجتمع وأفراده إلى أرقى وأرفع المستويات، وتسود فيه روح التآلف والسعادة والتعاون، وتبتعد عنه الكراهية والتباغض، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم). فحري بنا أن نتمثله ونجعله أسلوب حياة لننعم بحياة مستقرة هانئة.

قال المتنبي:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه.. وصدق ما يعتاده من توهم

وعادى محبيه بقول عداته.. وأصبح في ليل من الشك مظلم

@azmani21