د. فاطمة مصطفى رضا

العقل هو مكنة الثقافة، فالعقل ينتج الثقافة ويحددها وتقوم الثقافة بعدئذ بتركيب ونحت عقول مجتمعها، فتجد في كل مجتمع ما هو مقبول ومرفوض بناء على تركيبة عقله الميكانيكية. يذكر الجابري أن العقل هو بمثابة قيد للمعاني، فهو يقيدها ويحفظها. وتعرف المكنة في معجم المعاني الجامع بأنها كل آلة من شأنها أن تؤدي عملا آليا للإنتاج الصناعي، وهي التمكن والمكانة. فالعقل الجمعي في كل ثقافة يتطابق في تركيبه الميكانيكي والمكون من حجرات وأنابيب ومصادر الطاقة وصمامات بتراتبيات ومسارات مدروسة لتؤدي بالنهاية إلى تشغيل المكنة بعد إمدادها بالوقود ثم استقبال إنتاجها الثقافي. فالثقافة كما يعرفها بركات بأنها مجمل رؤى الحياة والكون وتصوراتها وأساليب التعامل اليومي والأخلاق والمعتقدات والمهارات والإبداعات والمعارف والمفاهيم، وهي التي تشمل في منظوره ثلاثة مكونات أساسية متداخلة: أولها هي مكونات القيم والرموز والأخلاق والسجايا والمعتقدات والرواية والقصة والتقاليد والأعراف والعادات التي يستعملها الإنسان في تفاعله مع بيئته الاجتماعية والطبيعية ومع الثقافات الأخرى، وهي بلغة ابن خلدون آداب الناس من حيث اختلاف نحلهم من المعاش ومعاملاتهم في أمور الدنيا. ثاني مكون هو النتاج الإبداعي أو الفنون التعبيرية عن مكنونات النفس الإنسانية من أدب (من شعر ورواية وقصة قصيرة ومسرح ومقالة) وموسيقى وغناء ورقص ورسم أو فنون تشكيلية وغيرها. أما المكون الثالث فهو حول النتاج الفكري من علوم وفلسفة ونقد فني وتنظير معنى الحياة وجدواها وسبل النهوض والتغيير، ويتجلى في الاتجاهات والمناقشات الفكرية في عصر ومكان محددين ويتصل عضويا بالتراث الثقافي كما بالواقع المعاش والمتبدل والرؤى المستقبلية. فمكنة العقل هي من تفلتر كل المدخلات الثقافية الغريبة عنها لتمرر ما يتناسب مع أنابيبها وحجراتها، وتترك ما لا يتناسب معها. وبطريقة عكسية فإنه يمكننا من خلال قراءة الإنتاج الإبداعي لأي ثقافة فهم العقول المنتجة لها. فالمفرزات الإبداعية من رواية وشعر وعمارة وفن تعكس عقلية منتجها. فملحمة جلجامش السومرية وهي أقدم ملحمة شعرية كشفت عن طبيعة الحكم في أورك في حضارة ما بين النهرين في 2100 ق.م. وتناولت حياة الإنسان وموته برمزيات ودلالات عميقة وتناولت أيضا مسائل المحضورات حينها، وعكست روما بتخطيطها الحضري طبيعة الحياة الاجتماعية والسياسية التي عاشها الرومان في تصميم المسارح والمدرجات والمعابد والأسواق ووضحت تصاويرهم الملونة لباسهم وأوانيهم وأثاثهم وتعاملاتهم. وعكست الأهرامات بشكلها ودقة توجيهها عمق الحسابات الرياضية التي برع فيها المصريون القدماء واحتوت تصاويرهم على رموز مربوطة بعالم ما بعد الموت. كم سخرت كل من هذه الحضارات طاقاتها لمنتجات ثقافية إبداعية تخدم ثقافتها وتؤثر على مجتمعها ولكننا اليوم لا نستوعب أهميتها، كم كانت تلك الثقافات مختلفة تماما عن ثقافتنا. وكم كانت تلك العقول بما تقبله وترفضه مختلفة عن عقولنا.

إنستجرام: Dr_fatima_Alreda