غنية الغافري

تصور بعض النساء حياتهن بلا عاملة وكأنها جحيم ويزداد هذا الشعور مع قدوم رمضان وتبدأ سلسلة التشكي والتباكي من توقيت الخادمة في السفر والذي من المفترض أن تصدر الجهات منعا عاما للعاملات من مجرد التفكير في المغادرة في هذا الشهر !! ولعلم المتاجرين والمستثمرين بهذه المشاعر يضاعفون رسوم التأجير في رمضان (على غلائها أصلا) ! دون وجود أي اعتراض من الأسر بل من تجد عاملة قبل نفاد الكمية فهي المحظوظة !

وحقيقة فإن البيوت حاليا على اتساعها اتساعا أكبر من عدد القاطنين فيها !! وكثرة غرفها ومقتنياتها وملحقاتها يصعب على ربة البيت أن تقوم بالدور الذي تقوم به العاملة المختصة بهذا العمل وإن اجتهدت بالرغم من وجود كافة التسهيلات والأجهزة التي اختصرت الكثير وحتى تريح ربة البيت رأسها من هم الغبار والأتربة المتراكمة كأبسط عمل يمكن أن يشار إليه فالعاملة هي الحل عدا متطلبات أفراد الأسرة «الكسولين» من الغسل والكي والأكل و«نثرتهم» التي لا تنتهي فلا أحد يعترف بالمسؤولية أو يلقي لها بالا.

ومن عجيب ما رأيت أن بعض البيوت يتم ملؤها بالعاملات !! فهي عبارة عن مساكن كبيرة وأفراد يسعهم أن يسكنوا في أحد ملاحقها ! فعاملتان للمطبخ وعاملتان لنظافة البيت وعاملة «للعجوز» وعاملة «للشايب» ! وهكذا تدب الحياة لتلك البيوت ! فيما تسرح وتمرح العاملات فهي الجنة بالنسبة لهن !

وحقيقة فإن وجود العاملة دون حاجة ملحة كوجود حالات خاصة أو عمل ربة البيت أو أطفال صغار يحتاجون الأم بشكل أكبر رفاهية وتزداد الرفاهية الممقوتة عند الاقتناع بجلب أكثر من عاملة في بيت لا يحتاج أصلا كما في بعض المجتمعات فالعاملة أصبحت من أساسيات الحياة، فيما في الدول الغريبة هي مجرد مساعدة ومساندة لا توجد إلا في أوقات الضرورة ولعل وجودها في منازلنا هو الذي قادنا لسلوكيات لم نكن نعملها فعندما نجد من يكفينا الصحون المتراكمة فإن «الشيف» الذي بداخلنا يخرج كل ما لديه ! فلا يوقفنا عن الإبداع المطبخي إلا وصول المواعين للسقف ! وعندما نجد من يمسح ويكنس فإننا نسمح لأطفالنا بعمل كل شيء لأن هناك من سيعيد عبثهم ويرتب بعدهم وهكذا

ولأني إحدى ضحايا غدر العاملات في هذا الشهر ودعتها ونظراتها الماكرة تحكي الشماتة بكل تفاصيلها ! وحقيقة فإن الأمور بدت مستتبة والأوضاع تحت السيطرة بل بدأت أصدر مشاعر المتعة للمحيطين حولي !! فالأمر لا يحتاج سوى بعض التنظيم و«التعاون» بل بدأت أتساءل عن الوقت الطويل الذي تقضيه العاملة في مهمة أصبحنا ننجزها بربع الوقت الذي تستغرقه فيها ! وتعرفت أكثر !! على بيتي اللطيف وأكتشفت الكثير من المعالم الجميلة وبدأت نظرتي تطال الأخضر واليابس لتغير وتبدل ! كل ما في الأمر استعادة اللياقة وشيء من التفاؤل والأمل !! (حتى تعود) !

والخلاصة فإن رمضان لا يختلف عن غيره من الشهور في الأعمال المنزلية ولا يحتاج كل هذه الهالة كل ما في الأمر أن ربة البيت يرتفع لديها منسوب موهبة الطبخ وتريد أن تصنع في شهر ما سكتت عنه عاما كاملا !! فتعيد لياقتها المطبخية وتستعرض قدرتها المعرفية ! ولو وزعت هذه الموهبة على العام لاكتفت في رمضان بسفرة هادئة غير مكتظة بأطباق ترمى في نهاية اليوم.. وأخيرا كلمة شكر لكل ربة منزل اجتهدت في رمضان لتسعد أسرتها التي تصحو قبيل المغرب فترى أمامها مائدة جاهزة كأنما نزلت من السماء !!

@ghannia