الطرب والسلطنة، والسياسة أمران، أو مساران لكل منهما مفرداته الخاصة، ولو سأل البعض نفسه هل يمكن أن ينتج من ألفاظ السياسة، وعباراتها نسيج طربي، يبهج النفس ويحرك الشجون، فلربما كان الجواب بالنفي لأن الناس اعتادت على أن الكلام الرومانسي، والغزلي الرقيق، والمشحون بالعاطفة، والرقة هو ما يناسب الغناء، وفن الطرب بشكل خاص. بينما الألفاظ الصارمة، وذات الدلالات القوية، والمعبرة عن الإرغام والإجبار هي تلك التي يُعبر بها عادة عن الأمور السياسية في حياة الناس.
في ملاحظة لافتة لاثنين من عمالقة الشعر والغناء في عالمنا العربي تم التجريب بثقة عالية في تطريب الناس، وتحريك حواسهم، ومشاعرهم بألفاظ السلطة، والسياسة والأمر والنهي، والخضوع، والطاعة. حيث ألف المرحوم الشاعر اليمني من أبناء يافع يحيى عمر (أبو معجب) قصيدة (يا طرفي لما تسهر) والرجل شاعر مطبوع كما يقال أكثر في شعر الغزل، ووصف سيرة حياته التي امتدت بين اليمن والجزيرة العربية والهند، وتغنى بالبلدان، والمدن التي زارها. والتقط القصيدة الأستاذ الموسيقار محمد مرشد ناجي رحمه الله (1929 - 2013) الذي يعد من مجددي الأغنية اليمنية، ومن أبرز المؤرخين للفن في الجزيرة العربية، وأبدع في تلحينها وغناها، والقصيدة عبارة عن قصة لرجل عاشق يغادر الريف إلى الحواضر، والمدن ويتعرف على ألوان العشق، والجمال. حتى أن هذه الأغنية اشتهرت بمطلعها الذي يقول: «يحيى عمر قال يا طرفي لما تسهر... وإن شفت شي في طريقك وأعجبك شله».
مطلع القصيدة المغناة يصف حالة العاشق الغريب، وهيامه بمن يرى من أصناف المعشوقات، في البندر، وتبدأ حكاية ألفاظ السلطة في القصيدة عندما يقول: «لو كان بيده مفاتيح بحرها والبر... الأرض ما تستوي عنده كما قبله» هنا نتلمس البعد السلطوي في اللفظ حيث إن من خصائص الدول واكتمالها، أن يكون هناك سيادة، أي بمعنى ممارسة شكل من القوة على أقاليم الدولة الأرضية، والمياه الإقليمية. وكما يعرف الجميع أن العناصر الرئيسة في بناء الدول عمليا ونظريا، وجود إقليم وشعب، وسيادة بمعنى سلطة، إضافة إلى الاعتراف الدولي، أو الأممي.
ويتدرج الشاعر في مزج ألفاظ الغرام والغزل، بألفاظ السلطة بصورة أكثر وضوحا ومباشرة عندما يقول: «يأمر وينهي ويحكم داخل البندر... دولة عظيمة ولا حد يعصي الدولة» هنا يصور المحبوب، أو المعشوق بأنه سلطان، أو ذو سلطان في البندر، أي أماكن التحضر والحياة العمرانية، والألفاظ واضحة (يأمر، وينهي، ويحكم) وكلها ألفاظ الدولة والسلطان. ويقفز لاختصار كل ذلك بأنها (دولة) وليست أي دولة بل هي (دولة عظيمة) أي قوية ومهابة، ولا يستطيع أحد عصيانها، أو مخالفة أوامرها. ويستمر في سرد قصة هذا العاشق الذي ذهب للقاء المحبوب صاحب السلطان، ويقول في شطر بيت «ان كان هذا ملك فالمملكة لله» ويستمر في وصف الوقوف بحضرة السلطة عندما يقول: «قالوا لي اطلع، وسلم واستقم واحذر... فاقصد بما قد عزمت جيت من أجله» هذا البيت ينقل لنا بدقة متناهية التعليمات التي تعطى لمن أراد لقاء السلطان، أول يصعد للسلطان أو للقاء صاحب السلطان وقد يكون هنا الصعود معنويا، ثم طريقة إلقاء السلام، والحذر بمعنى عدم الإتيان بتصرفات زائدة، وقل حاجتك التي جئت من أجلها باختصار وبدون إطالة. وهذه المحاذير هي السائدة في أماكن كثيرة حتى اليوم فيما يتعلق بالعلاقة مع أصحاب السلطة، والنفوذ. المحزن في القصة أن صاحب السلطان (استعذر) أي اعتذر عن مقابلة العامة، وهنا راح الشاعر يصف وضع المعشوق صاحب السلطان المعنوي، بأنه يجلس على مرتبة من (الطاس) ومن المؤكد أنه شيء ثمين لم أجد له معنى، قد يكون نوعا من النسيج، والكرسي من الجوهر، وكل هذه مظاهر سلطان واضحة وألفاظ سلطة بينة استطاع الشاعر، والمطرب إقناع الناس بالطرب بسماعها على مدى أجيال.
salemalyami@
في ملاحظة لافتة لاثنين من عمالقة الشعر والغناء في عالمنا العربي تم التجريب بثقة عالية في تطريب الناس، وتحريك حواسهم، ومشاعرهم بألفاظ السلطة، والسياسة والأمر والنهي، والخضوع، والطاعة. حيث ألف المرحوم الشاعر اليمني من أبناء يافع يحيى عمر (أبو معجب) قصيدة (يا طرفي لما تسهر) والرجل شاعر مطبوع كما يقال أكثر في شعر الغزل، ووصف سيرة حياته التي امتدت بين اليمن والجزيرة العربية والهند، وتغنى بالبلدان، والمدن التي زارها. والتقط القصيدة الأستاذ الموسيقار محمد مرشد ناجي رحمه الله (1929 - 2013) الذي يعد من مجددي الأغنية اليمنية، ومن أبرز المؤرخين للفن في الجزيرة العربية، وأبدع في تلحينها وغناها، والقصيدة عبارة عن قصة لرجل عاشق يغادر الريف إلى الحواضر، والمدن ويتعرف على ألوان العشق، والجمال. حتى أن هذه الأغنية اشتهرت بمطلعها الذي يقول: «يحيى عمر قال يا طرفي لما تسهر... وإن شفت شي في طريقك وأعجبك شله».
مطلع القصيدة المغناة يصف حالة العاشق الغريب، وهيامه بمن يرى من أصناف المعشوقات، في البندر، وتبدأ حكاية ألفاظ السلطة في القصيدة عندما يقول: «لو كان بيده مفاتيح بحرها والبر... الأرض ما تستوي عنده كما قبله» هنا نتلمس البعد السلطوي في اللفظ حيث إن من خصائص الدول واكتمالها، أن يكون هناك سيادة، أي بمعنى ممارسة شكل من القوة على أقاليم الدولة الأرضية، والمياه الإقليمية. وكما يعرف الجميع أن العناصر الرئيسة في بناء الدول عمليا ونظريا، وجود إقليم وشعب، وسيادة بمعنى سلطة، إضافة إلى الاعتراف الدولي، أو الأممي.
ويتدرج الشاعر في مزج ألفاظ الغرام والغزل، بألفاظ السلطة بصورة أكثر وضوحا ومباشرة عندما يقول: «يأمر وينهي ويحكم داخل البندر... دولة عظيمة ولا حد يعصي الدولة» هنا يصور المحبوب، أو المعشوق بأنه سلطان، أو ذو سلطان في البندر، أي أماكن التحضر والحياة العمرانية، والألفاظ واضحة (يأمر، وينهي، ويحكم) وكلها ألفاظ الدولة والسلطان. ويقفز لاختصار كل ذلك بأنها (دولة) وليست أي دولة بل هي (دولة عظيمة) أي قوية ومهابة، ولا يستطيع أحد عصيانها، أو مخالفة أوامرها. ويستمر في سرد قصة هذا العاشق الذي ذهب للقاء المحبوب صاحب السلطان، ويقول في شطر بيت «ان كان هذا ملك فالمملكة لله» ويستمر في وصف الوقوف بحضرة السلطة عندما يقول: «قالوا لي اطلع، وسلم واستقم واحذر... فاقصد بما قد عزمت جيت من أجله» هذا البيت ينقل لنا بدقة متناهية التعليمات التي تعطى لمن أراد لقاء السلطان، أول يصعد للسلطان أو للقاء صاحب السلطان وقد يكون هنا الصعود معنويا، ثم طريقة إلقاء السلام، والحذر بمعنى عدم الإتيان بتصرفات زائدة، وقل حاجتك التي جئت من أجلها باختصار وبدون إطالة. وهذه المحاذير هي السائدة في أماكن كثيرة حتى اليوم فيما يتعلق بالعلاقة مع أصحاب السلطة، والنفوذ. المحزن في القصة أن صاحب السلطان (استعذر) أي اعتذر عن مقابلة العامة، وهنا راح الشاعر يصف وضع المعشوق صاحب السلطان المعنوي، بأنه يجلس على مرتبة من (الطاس) ومن المؤكد أنه شيء ثمين لم أجد له معنى، قد يكون نوعا من النسيج، والكرسي من الجوهر، وكل هذه مظاهر سلطان واضحة وألفاظ سلطة بينة استطاع الشاعر، والمطرب إقناع الناس بالطرب بسماعها على مدى أجيال.
salemalyami@