سعود القصيبي

نعاودكم بكل عام وأنتم بخير وعساكم من عواده. فإطلالة العيد هي من أبهج الأيام بل وأسعدها، وهي الخير واليمن الكثير والذي سبحانه وتعالى قدره لنا، ففيها نحتفي وفيها نذكر أحبابنا ونزورهم ويزوروننا، وفيها نذكر تلك الأيام المقدرة بالحج والأضاحي والتي جعلها الله لنا كمسلمين من شعائر وسنة بها أجر وبركة. ونحن كعرب نفتخر أن نبي الله إسماعيل عليه السلام فينا، كما نفتخر أن رسول الله للعالمين محمد صلى الله عليه وسلم منا. وهي تكليف لنا وهو حمل ثقيل أن جعل بيته بين أضلعنا وأمانة بأعناقنا يأتيه ويزوره تلبية لنداء الله عز وجل حجا وعمرة كافة البشرية، جعلنا الله من رواده حجا وعمرة.

وللحديث عن تحديد الأهلة فإنها لم تتطور كثيرا كما تطور الإنسان ووقفت علومه إلى حد ما مكانها ومنذ الزمن الأول وذاك من الزمن المملوكي من القرن التاسع للهجرة. ويجتهد الفقهاء بكافة أنحاء العالم الإسلامي لتحديد دخول وطلوع الشهور القمرية فلكل طريقة ولكل أسلوب ونظرية، إلا أن تطوره اقتصر على مراصد تسمح برؤية بصرية لمعرفة دخول الأشهر، وكذلك بحساب الأيام وإحصائها تبعا لتطور العلوم الحسابية والفلكية. كما يعتمد التقويم الهجري بأساسه على قياس دورة القمر حول الأرض، بحيث يكتمل الشهر الهجري باكتمال دورة القمر. وذلك على عكس التقويم الشمسي الذي يعتمد على دوران الأرض حول الشمس الأمر الذي يسبب لبسا عند الناس بزيادة عدد أيامه عن ذاك بالقمري وبأحد عشر يوما تقريبا. وتقاس نهاية وبداية الشهر الهجري بناء على رؤية هلال الشهر الجديد تتباين فيها فترته بين 29 يوما و19 ساعة في بعض الشهور و29 يوما و5 ساعات في شهور أخرى.

ورحلة الشهر القمري تبدأ عند سقوط أشعة الشمس على سطح القمر فتضيء جزءا منه نتيجة لانعكاس نور الشمس، فعند حصول ولادة الهلال يكون وضع القمر في تلك اللحظة بين الأرض والشمس ويكون وجهه المظلم مواجها الأرض. لهذا السبب لا يمكن رؤيته، لكن بعد هذا الموضع بمدة قصيرة جدا، يتبين ما يسمى القمر الوليد والذي يبدو على شكل خيط رفيع بعد غروب الشمس بقليل. وما يلبث أن يواصل مسيره ويتحرك إلى ناحية الشرق ويشاهد على ما يعرف بشكل هلال رفيع في الجزء الغربي من السماء. وما أن يستغرق في حركته أسبوعا واحدا تقريبا حتى يصبح على هيئة نصف قمر، ثم يستمر في نموه أثناء حركته إلى أن يصل طور البدر وبعد أسبوعين تقريبا من لحظة ولادته. وعند ذلك يظهر القمر في وقت غروب الشمس نفسه تقريبا ثم ما يلبث أن يبدأ في رحلة مكملة لوضعه الأول.

وكان العرب قبل الإسلام يضيفون خمسة أيام من العام القمري ليتماشى مع التقويم الشمسي أو يحذفونها وللتحايل على الأشهر الحرم كما فسر. وجاء بالسير أن الخليفة عمر بن الخطاب هو من اعتمد العمل بالتقويم الهجري والذي كان يعرف من قبل بالتقويم العربي وبعد سبعة عشر عاما من الهجرة النبوية، واكتسب لفظة «الهجري» بعد ربطه بالهجرة النبوية. واختيرت أسماء الأشهر التي نعرفها حاليا، بعد أن كانت القبائل تطلق أسماء مختلفة على الأشهر.

ومن تاريخ تحديد الأهلة أن الأصل كان لدخول الشهر يستشهد عليه بالرؤية المجردة ومن أسباب تطور الحساب والقياس الفلكي رجح بعض العلماء من الفقهاء استخدامه بما يتوافق لمعرفة دخول القمر وميلانه بالأفق ويستخدم في تقويم أم القرى لتحديد معرفة وأوقات دخول الصلاة. إلا أن التطور الهائل الذي جاء بعلم النظائر الإسلامي من الغرب جعل من المراصد الفلكية تستخدم مقربات ضخمة لرؤية المجسمات الكونية ومنها القمر لتتبع حركتها كما وضعت دول ومراكز بحثية أقمارا صناعية بها مناظر عملاقة بالفضاء. وبرأينا أنه لا بد من النظر إلى المستقبل ولنحرر أذهاننا بما وصل ووقف إليه العلم الحديث. وكما بتطور علم الأهلة من الحساب والقياس من العلم الفلكي، لا بد أن نلتفت إلى العلوم الحديثة من التطور وتقنياتها ونأخذ بها فلا نعيش بعلوم الماضي ونتعصب لها فرؤيتنا بالنهاية للقمر هو ذاك بالعين المجردة.

@SaudAlgosaibi