سعود القصيبي

البيئة البحرية بيئة حساسة تتأثر بالعديد من العوامل الطبيعية كالأعاصير والزلازل، وتغير درجة الحرارة، واتجاه موج البحر، إلا أن من أشدها ما هو بفعل الإنسان. فمَنْ منا لم يقف على الشاطئ الشرقي وشاهد تلك المناظر من عبوات المشروبات الفارغة تملأ الشواطئ ومع كل مد، أو مَنْ منا لم يشاهد قطع البترول المخضرة أو من تلك الأعشاب البحرية المبعثرة الملقاة على الساحل، وكأنها اقتلعت بمقاص النجيل الأخضر، أو مَنْ منا لم يشاهد تلك المراكب للصيد وأنوارها بالليل بذهابها وإيابها كاشطة ما بقاع البحر وكل ما هو كائن حي أو نبات أو مرجان. ولا يكاد يأتي عام وراء عام إلا أن نشهد نفوقا للأسماك بأسباب تكاثر الطحالب الحمراء، فنرى بقايا الأسماك بعد أن أخذت طريقها كما في سنن الحياة. هذه المناظر من التلوث البيئي اعتدنا عليها وألفنا مشاهدتها على أغلب شواطئ الساحل الشرقي من الخليج العربي.

وحتى لا يبدو الأمر مبالغا فيه، فناقلات البترول تفرغ المياه الملوثة ببقايا مما امتلأت به خزائنها في الخليج للمحافظة على توازنها ليتجمع ويسكن الشواطئ بشكل رقائق حجر مختلطة بالرمال، بالإضافة إلى التسربات النفطية المتعددة. ومراكب الصيد تلك هي الأخرى كما في صيد الربيان، التي تجوب تلك الشواطئ مع شباكها الضخمة كاشطة كل ما في أرض البحر محولة إياه إلى قفار وصحاري بحرية. ناهيك عما يرمى من المخلفات من تلك المراكب المتعددة لنشاهد ما لوثت به البحر بشكل عبوات على الساحل وحتى لكرات قدم أو من قطع أخشاب. ومحطات تحلية المياه تلك هي الأخرى تأتي لتفرز تلك المياه الشديدة الملوحة والحرارة لترجعها في البحر جاعلة نواحي مصباتها غير مؤهلة للحياة البحرية أو كذلك ما شاهدناه من أسباب عمليات التوسع المدني من الردم القاتل لتلك الشعاب المرجانية من أتربة تثار فتنقل مع التيارات البحرية.

وللحد من هذه الظواهر وللحفاظ على المخزون السمكي من أهميته للإنسان من معيشة وتحسن الحياة، تعمل الكثير من الدول على سن أنظمة صارمة للحد من الردم ومن الصيد التجاري الجائر، ومن شباك مخصصة ومناطق محددة ومواسم وحتى لا تتأثر الشعاب المرجانية المغذية والحاضنة لتلك الحياة البحرية. وأيضا من عقوبات لعدم رمي المخلفات ومن تواجد لشرطة بيئية بحرية كجهة اختصاص للتأكد من امتثال قوارب الصيد التجاري ومن سلامة المحميات البحرية. ومما يضاف اشتراطات لنقالات البترول لمواءمتها لتكون صديقة للبيئة. وأيضا فيما يخص المياه الحارة المالحة الرجعية نتاج عمليات تحلية المياه يشترط عليها تخفيف ملوحتها وحرارتها قبل عمليات إرجعاها للبحر فلا تتأثر البيئة البحرية بعملياتها الصناعية، وكذلك من مواصفات هندسية مخصصة حتى لا تجرف الحياة البحرية فتموت أو أن تتجمع فتنفق.

مما تفعله كثير من الدول عند تأثر الحياة البحرية أو من حتى لإكثارها ما يعرف بالريف الصناعي. وباللغة العامية تعرف أماكن تجمعها «بالميافر». والريف الصناعي هو عبارة عن قوالب أسمنتية تعمل بأشكال هندية مختلفة بها فتحات كما في المغارات الصغيرة تجعلها بعض أنواع الأسماك سكنا لها. كما يتعلق بهيكلها المرجان والأعشاب البحرية، التي تتغذى عليها الأسماك لتتشكل من خلالها بيئة بحرية تتكاثر بها الأسماك بشتى أنواعها. وهناك أمثلة ناجحة بعدد من دول الخليج ودول العالم كما في أستراليا لمثله من ميافر وريف صناعي. وهناك مَنْ يقوم بالإضافة بغرق السفن القديمة لتكون ظاهرة سياحية لهواة الغوص ومستقرا لإكثار الأسماك.

ليس خافيا على مَنْ نشأ في الساحل الشرقي ظاهرة شح الأسماك إلى حد نضوبه في مناطق أتى عليها التعدي البيئي. كما أن مردود توافر الأسماك وسلامة بيئته له من المنافع الجمة وليس فقط على الجانب الاقتصادي بوجه عام، بل على الجانب الاجتماعي أيضا. ومن العبر القديمة نستلهم الحكم والمثل الشعبي يقول: «لا يموت الذيب ولا يفنى الغنم». وأحد الحلول لعودة الأسماك بالإضافة إلى الجانب التشريعي والنظامي هو إنشاء ذاك الريف الصناعي والميافر البحرية، ولعل أن يكون لشركاتنا الكبرى في القطاع النفطي أو البحري مبادرة فيه أو من الجهات ذات الاختصاص لتحسين وضمان استمرار البيئة البحرية.

@SaudAlgosaibi