د. نورة عبدالله الهديب تكتب:

في اللقاء السابق لولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود -حفظه الله-، أشار في حديثه إلى نقطة مهمة استوقفتني قليلاً، وهي الهوية الفردية الخاصة بالإنسان. ومن هذا المُنطلق، اجتهدت شخصياً في إعادة النظر إلى بعض المفاهيم الخاصة بهوية الإنسان، وشرح بعض التفاصيل المُتعلقة بالهوية. تعتبر هوية الإنسان من الأمور الأساسية والواجب معرفتها قبل الانخراط معه في أي أمر. فالهوية هي التعريف، الذي من خلاله تتضح معالم السمات والصفات العامة والخاصة في الإنسان.

ومع مرور الزمن، تطور مفهوم الهوية بناءً على تطور أدوات ومعطيات الزمان والمكان، الذي نعيشه. ولو تعمَّقنا قليلاً في هيكلة الهوية الخاصة بالإنسان، لوجدناها تعتمد على ركائز ثابتة وأفرع مُتغيرة لأسباب متنوعة. على سبيل المثال، فإن من ضمن ركائز الهيكل العام للهوية، هو كالتالي: الأرض (الوطن)، والعقيدة (الدين)، واللغة والجنس البشري والثقافة (الممارسات) المؤثرة على السمات الشخصية المُنطلقة من الأُسرة أولاً، والمجتمع ثانياً. هذه الركائز وغيرها تعتبر أصولا لفروع مُساعدة في تشكيل هوية الإنسان.

ويشهد التاريخ قبل وبعد تأسيس المملكة العربية السعودية بالوقائع والأحداث، التي أظهرت للعقلاء مستوى رسوخ وقوة الأصالة العربية في الإنسان على هذه الأرض الطيبة. فالهوية القوية والراسخة تُثبِت قوتها من خلال مرونتها في كيفية التعامل مع الاختلافات، في الوقت الذي تستطيع فيه أن تُحافظ على هيكلتها دون زعزعة أو تزييف. فالهوية السليمة والثابتة تُخبر وتُعرِّف الآخرين عن نفسها لتبني من خلالها العلاقات والمصالح المتنوعة. وكذلك، طريقتها في تقبل الاختلافات لا تتجاوز حدود الاحترام، بل إن الاحترام يكاد يكون جزءا من القِيَم الإخلاقية، التي تُشكِّل هيكلة الهوية. وهذا جزء بسيط يوضح المقصد من إشارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- في لقائه السابق.

في المُقابل، تضطرب هوية الإنسان عندما تختل إحدى وظائف العقل أو القلب، التي بدورها تساعد في هيكلة الهوية. على سبيل المثال، بعض المهاجرين في الدول الأخرى يعانون من اضطراب الهوية لأسباب مُتعددة. فالخلل في بعض المفاهيم، كالولاء وتلاشي اللغة (الأُم) بعد الهجرة وعدم القدرة على التوفيق بين الثقافة الخاصة (الأُسرة) وبين الثقافة العامة (المجتمع)، وغيرها من العوامل المؤثرة، التي بدورها تؤدي هشاشة الهوية، أحياناً.

وأخيراً، فإن هوية الفرد في المجتمع السعودي قوية وثابتة -بفضل من الله- بالرغم من تنوع الثقافات في مجتمعنا بناءً على الموقع الجغرافي والانتماء الطبقي أو الاجتماعي. والاعتزاز والفخر بتاريخ بلادنا يتمثل بمحافظتنا على التراث ومحاولة التعريف به بطُرق مُتنوعة. وهذه إشارة إلى تجذُّر الأصالة في هويتنا ومحاولة إظهارها عن طريق السلوك الأخلاقي في المحافل المُخْتَلِفةِ، المحلية والعالمية. فمحبة الوطن وتعزيز روح الانتماء له، يرفعان مستوى الولاء في الإنسان ليتمسك ويُحافظ على هويته.

@FofKEDL