هناء مكي

قبل سنوات كان الحفاظ على النمطية والروتين هو جزء كبير من الحفاظ على سياسة الاستقرار والبناء، التي كان يتباهى بها كبار التجار في ذلك الوقت، بالذات التجار الذين صنعوا من نجاحهم ليس أعمالا ناجحة، بل عائلة تجارية ناجحة تتوارث ثرواتهم، التي بعضها بدأت من الصفر.

مفهوم «المعلم» هو المفهوم السائد في عالم الأعمال وإن كان غير مرأي بطريقة مباشرة، ولكن على الأرجح هناك أداة تحكم في الحفاظ على النسق والتوازن لتمضي سفن الأعمال بسلام في مجابهة أي عاصفة مؤاتية عليها، فكان النسق التقليدي «مباركا» جدا في العمليات التجارية، التي تحتاج إلى استخدام طرق «التعود» على المنتجات وليس المنافسة على الأرجح، فالتعود والارتياح يخلق جمهورا ليس هينا من المستهلكين للسلع بالذات ذات السعر المرتفع.

في السابق، كان جمهور المستهلكين يختلف كثيرا عن الأجيال المتلاحقة، فهذا الجمهور يرتاح لمنتج معين فلا يمكنه أن يتأقلم مع غيره من المنتجات، فلا يغامر وليست لديه خيارات كبيرة، فحين يعتاد ويرتاح لمنتج فإنه يبقيه معه ما استطاع، إنه جمهور أمهاتنا وآبائنا، الأمهات اللاتي يستخدمن منتجا بعينه لصنع طبخة ما، أو للتنظيف أو عطر معين مازلن لا يثقن إلا بذوقهن مهما تقدم بهن العمر، وإن حاولن التغيير فإنهن يبقين على تغييرهن الأخير باطمئنان، وبالعادة فإن منتجات شركات التجزئة التقليدية تضمن لهم ذلك، وتبقيه متوافرا لتلك النوعية من المستهلكين.

ليس الجيل السابق فقط، بل الكثير منا حين يعتاد على منتج معين ويرتاح له، فإنه يقوم إما بشراء كميات كبيرة ليبقيه مخزونا متوافرا معه أو بالتوصية الدائمة، بيد أن اليوم ومع اختفاء المنتجات الأصلية وانتهاء تصنيعها فقد بدا التغيير شيئا جيدا، وبوضع التغيير بات الولاء للسلعة غير مهم، وهذا الأمر انعكس على حظوظ الشركات المصنعة ومتاجر التجزئة الكبيرة، التي ترعاها.

لم يعد هذا النوع من المستهلكين يعتبر ذا قوة شرائية حقيقية، بعد أن ارتفعت وتيرة المنافسة الكبيرة في السوق العالمية وظهور منتجات الوفرة والكم بديلا لمنتجات الكيف باهظة أو متوسطة السعر، ومع ظهور مصانع التقليد والمتاجر التي تقدم المنتجات غير المكلفة، صار الناس يقبلون على ما يفي بمتطلباتهم بدون الحاجة لسمعة المنتج أو شركة تصنيعه.

تغير ذوق المستهلك واحتياجاته ووضعه وخياراته، ساهم كثيرا في استخدام الشركات والمتاجر للذكاء الابتكاري في جذب الانتباه لرفع وتيرة التنافسية في السوق، لم تعد المنتجات التقليدية تجذب القوة الشرائية الجديدة، ومع السوق الإلكترونية والوسائل الرقمية، التي توفر الجهد والمال فقد كان أكبر الخاسرين هي المتاجر التقليدية الكبيرة والمتزمتة، التي ترعى مصانع تحمل أسماء ماركات تختص بها.

هذا النوع من المتاجر يعتبر عمد الاقتصاد البريطاني، الذي يرتكز على السياحة وقطاع التجزئة، فقد تأثر كثيرا جدا بالتغيير الذي اجتاح العالم، فمنذ الإغلاق الأول لبريطانيا أعلنت كل من ديبنهامز ومجموعة أركاديا إفلاسها وهما في محاولة إما الاستسلام أو استدراك المخارج، ويبدو أن ديبنهامز تمضي للخسارة.

كذلك ووفق صحيفة «الجارديان» البريطانية، فإن قطاع التجزئة هناك فقد قرابة 190 ألف وظيفة منذ الإغلاق الأول بسبب كورونا قبل عام، فيما أعلنت وكالة أنباء بريس أسوسيشن استنادا لمركز أبحاث التجزئة، أن 188685 وظيفة للبيع بالتجزئة قد اختفت بين بداية الإغلاق الأول في 23 مارس 2020 وحتى 31 مارس من هذا العام في بريطانيا.

أسماء كبيرة لمتاجر عالمية كانت الاسم الأول في عالم التسوق لكل زائر لندن، غير أن الوضع الحالي يبدي قلقا من استمرارها بذات الرفاهية، ليس بسبب كورونا وحسب، فقد كانت ديبنهامز تترنح من قبل أزمة كورونا، إنها بسبب التقليد والنمطية والاعتماد على المستهلكين التقليديين، الذين لا يتعبرون قوة شراء حقيقية، ورفض ملاك هذه الشركات التغيير ومسايرة الأجيال باستخدام الوسائل الرقمية ومجاراة التنافسية الحادة في الأسواق.

إنه إعلان محزن عن انتهاء بعض المراحل في الاقتصاد التقليدي بشكل مؤسف.

hana_maki00@