أحمد المصيلحي

الأخصائي النفسي إنسان قدر الله له أن يشاهد كل يوم عذابات البشر، يرى ويسمع صوت الألم في شكاواتهم ويلمس شغف القلوب في بصيص أمل في خضم الألم المحيط بالإنسان.. من أسئلة حائرة وعيون مغروقة تحبس بين شطآنها دمعات ما تلبس أن تنهمر، تتكرر المشاهد وتتوالى تترى مع كل قادم يطرق باب مكتبي يحمل على كاهله عبئا تنأى بحمله الرواسي من الجبال، تختلف الأسباب وتتعدد المبررات وتتنوع الدوافع، وتجتمع الغايات والأهداف تنشد الخلاص، إلا أن هذا اليوم كان مختلفا، حيث طرق الباب رجل أربعيني في وجهه وضاءة وفي صوته الرخيم هدوء وتعلو وجهه ابتسامة وسماحة... (لو سمحت مش عاوز أتكلم معاك أمام البنات)..

وفي خارج الغرفة لمحت طفلتين تستلقي إحداهما على كرسي متحرك طويل والأخرى وهي الأصغر تجلس على كرسي آخر.

جلس الأب بعد أن تأكد أن الباب موصد وبصوت خافت بدأ يسرد التاريخ التطوري للطفلتين، فالكبرى حتى ثلاثة أعوام مضت تدرس بالرابع الابتدائي مقبلة على الحياة متميزة في دراستها ثم بدأت لا تستطيع المشي وفجاءة لا تستطيع الوقوف ثم تدريجا لا تستطيع الجلوس، وهي الآن مستلقية تماما لا تستطيع أن تتحرك!

أصيبت بمرض نادر (الحثل العضلي أو ضمور العضلات).. حيث تضمر الكتلة العضلية بشكل تدريجي إلى أن يصل الأمر إلى عدم القدرة على التنفس ثم العناية الفائقة ثم الوفاة، وهذه النهاية الحتمية لهذا المرض، فقد علمها الأب تماما، لذا هو لا يريد أن تعرف ابنتاه بحقيقة مآل مرضهما، والواقع أنه لم يتوصل الطب إلى علاج لهذا المرض، إلا أن العقاقير والتأهيل الطبي يمكنه المساعدة في التحكم في الأعراض وتعطيل تقدم المرض.

رغم يقين الأب أن مآل ابنتيه الموت، إلا أنه لا يدخر جهدا في السعي لتقديم الرعاية التأهيلية لهما، لم يضجر لم يتأخر عن جلستيهما يوما، لم ألمح في صوته شكوى، ولم أرَ في ملامحه ضجرا.

هذا الرجل لم يحصل على مؤهلات عليا ولكن أهله إيمانه، فعلا به فوق المحن التي لم تزده إلا يقينا ورضا.

وبعد أن رحلت الكبرى عن دنيانا، عاود لمتابعة الطفلة الصغرى، لم أرَ ضجرا ولا هما ولا ضيقا، فالمرونه والصلابة النفسية والطاقة الإيجابية كل هذه المصطلحات النفسية تجسدت في هذا الإنسان المؤمن بقبوله بالقدر.

فقبول الموت حياة، وقبول الضعف قوة وقبول الفشل نجاح وقبول الحزن حكمة والرضا بالابتلاء إيمان، ولا يعطي معنى للحياة أفضل من الإيمان بالله.

والسعادة الحقيقة في الرضا، فهي ليست قصورا تشيد وإنما نفوسا أبيه، ولا حسابات في البنوك تزداد، إنما هي انشراح صدر لمبدأ تحيا من أجله وراحة قلب لخير يكتنفه فالسعادة في الإيمان والرضا بقدر الرحمن.

فروح الروح أرواح المعاني، وليس بأن طعمت وأن شربت.