خالد الشنيبر

في أي اقتصاد نجد أن اختلاف فئات العمالة وعملية الطلب على نوعية العمالة يعتمد بشكل أساسي على التركيبة الهيكلية للاقتصاد، ومن هذا المنطلق نجد حرص الدول بشكل كبير من خلال وزارة الاقتصاد فيها على تنويع الاقتصاد الداخلي حتى يكون هناك توليد للوظائف بشكل مستمر ومتنوع، وفي هذا المقال سأتطرق لشرح الأثر بين «تدوير الوظائف» و«توليد الوظائف».

البطالة بسوق العمل في الوقت الحالي الأقرب لوصفها هو تعريف البطالة الهيكلية «Structural Unemployment»، وهو عدم التوافق بين فرص التوظيف المتاحة، ومؤهلات وخبرات العمال المتعطلين الراغبين في العمل والباحثين عنه، وبتحليل وتشخيص لسوق العمل سنجد أن هناك مؤشرات عديدة تدعم ما ذكرته منها الأقلية لعدد المشتغلين السعوديين، بالإضافة لاستمرار استقدام العمالة الوافدة لأن طبيعة «أغلب الوظائف» في سوق العمل هي وظائف متدنية الأجر، وبدائية غير جاذبة لتوظيف السعوديين «يستحيل توطينها»، ولا يعني ذلك أنه لا توجد فرص متواضعة للإحلال، ولكن إذا اعتمدنا على الإحلال فقط وبتركيز عالٍ، فهذا يعني أننا نعمل على «تدوير للوظائف وليس توليدا للوظائف»، مما يحد من قدرتنا على التعامل مع الأعداد المتزايدة من الداخلين المحتملين لسوق العمل، ولذلك أرى كوجهة نظر شخصية أن وزارة الاقتصاد والتخطيط هي المسؤولة بشكل كامل عن إدارة وقيادة هذا الملف، فمسألة إعادة هيكلة سوق العمل ونوعية الوظائف فيه تعتبر مسألة لا تقل أهمية عن أي ملف آخر نعمل عليه في الوقت الحالي.

معادلة خلق الوظائف بسيطة، ويمكن تلخيصها في التالي «حماية المنشآت الحالية وتشجيع دخول منشآت جديدة يعني القدرة على التوسع اقتصادياً مما يعني خلق فرص عمل أكبر»، وهذا الطريق بدأت ملامحه تظهر من خلال الإعلانات المتتالية للمشاريع الحديثة، التي تندرج تحت رؤية المملكة، وهذا الأمر لا يكفي لأننا ما زلنا في حاجة لحماية المنشآت الحالية حتى نعزز من قدرتها على التوسع وخلق وظائف تساهم في إعادة هيكلة نوعية الوظائف في سوق العمل حتى نخرج من دوامة البطالة الهيكلية.

قد يتساءل البعض عن الرابط بين البطالة الهيكلية، وأهمية حماية المنشآت الحالية، وتعزيز من قدرتها على التوسع، والإجابة هنا ممكن تلخيصها بأن توسع المنشآت الحالية يعني قدرتها على توليد فرص وظيفية بمستوى أعلى من الفرص الحالية حتى لو كانت بعدد أقل، والأثر الأهم هنا هو إعادة هيكلة الوظائف في الاقتصاد من خلال توليد الوظائف، التي تتناسب مع مؤهلات وخبرات وقدرات ورغبة المتعطلين والباحثين عن العمل السعوديين حتى نقلل مما يُعرف بالبطالة الهيكلية.

هناك نقطة مهمة قد يختلف معي الكثير حولها فيما يخص الطلب على استقدام العمالة الوافدة، فالطريقة المثلى للتعامل مع هذا الملف في الوقت الحالي لترشيد الاستقدام هو التوجه لتشجيع استخدام الأتمتة واستخدام وسائل التكنولوجيا، وأي إيقاف بشكل عشوائي للاستقدام سيكون نتائجه سلبية على سوق العمل وحتى على معدلات البطالة، ولذلك من المهم أن نُفرق بين مرحلتين «المرحلة الحالية» و«مرحلة ما بعد إعادة هيكلة الوظائف في سوق العمل لتوليد وظائف جديدة»، ففي المرحلة الثانية سيكون التعامل مع ملف الاستقدام أسهل بكثير.

اليوم ينبغي أن تكون إدارة الملفات واضحة، ملف إعادة هيكلة سوق العمل هو ملف ينبغي أن يدار من خلال وزارة الاقتصاد والتخطيط، ملف تحسين ممارسات الموارد البشرية في سوق العمل هو ملف ينبغي أن يدار من خلال وزارة الموارد البشرية، ملف نمو القطاعات الاقتصادية فهو ملف مشترك، وكل وزارة مسؤولة عن الأنشطة، التي تتبع لها.

ختاماً: من الصعب جداً رسم سياسة شمولية لإصلاح سوق العمل بسبب المتغيرات العديدة، التي تطرأ وبشكل غير مسبوق، ولكن كلما كانت الإستراتيجية تعتمد على توليد للوظائف بدلاً من التدوير ستكون المهمة أسهل، وكلما كانت الإستراتيجيات مجزئة قطاعياً ومناطقياً، فستكون النتائج مُذهلة.

Khaled_Bn_Moh@