غنية الغافري

لم يعد الطلاق نهاية صراع أسري خسر فيه جميع الأطراف ولم يعد ذلك القرار المصيري المؤلم الذي جاء بعد أوجاع وآلام بل فقد كل معاني الهيبة والرهبة.. لأنه بتعبير آخر أصبح تمثيلية تراجيدية تظهر في مشاهدها الحزن ويتمسح أبطاله مسوحه بينما يتغامزون خلف (كاميراتهم) ! لأنهم لم يستشعروا حقيقته ولم يتجرعوا مرارته.. فالطلاق إنما طبخ في مطبخ المؤامرات لأهداف تجارية لا تمت للواقع بصلة، فتفاصيله وتصريحاته هو الغذاء الملكي للصحف والمواقع الباحثة عن الإثارة وهو الجذب السحري لمزيد من المتابعين والمشاهدين الذين يسيل لعابهم لخصوصيات المشاهير وأخبارهم التي تتجدد بين الفترة والأخرى كلما أحسوا بفتور حسابات التواصل لديهم فيصبح عامل الإثارة واجبا حتميا للتنشيط وإعادة تحديث تواجدهم في سوق المشاهير الذي غص بالمنافسين ! وبات المعلنون يبحثون عن الأقوى.. في بحر مليء بالأسماك يحتاج فقط لصياد ماهر لا تعود سنارته إلا بصيد !

إن المتابع لمشاهير التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية يجد حراكا غير عادي في أخبار الانفصال لأنها الأسرع والأسهل في الانتشار فهذه تضع موسيقى حزينة وتطوف كاميرتها في المنزل الفاره مع عبارات حزينة يسيل معه لعاب المتابعين لمعرفة تبعات هذا المشهد الذي لو كان حقيقة لاستثقلت يداها حمل القشة !! فالحزن يثقل الأطراف ويلجم الشفاه ويصطك معه الفؤاد.

وأخرى تقود سيارتها وتتراقص على أغنية الفراق والقهر والخيانة وتلقي بالتفسيرات في ملعب المتابعين فإذا طبخت الخطة على قدر المشاعر زادت العيار في أغنية أخرى تأكيدا للأولى مع التصوير الانفرادي طوال فترة الخطة ! وبعد أن يتم المقصود وتصبح حديث ساحة وسائل التواصل الاجتماعي وتجمع أكبر عدد من المتابعين ليحظوا بسبق الخبر على لسانها تظهر المشهورة لتلوم المتابعين على تفسيراتهم وتقول بكل براءة: هل أنا قلت إنني تطلقت؟

وأخرى تزهد في الزواج وتنعته بالقيود والسجن وتعلي من شأن العزوبية ! وترسخ في عقول الفتيات هذا المبدأ حتى أصبح عدد كبير من الفتيات يعزفن عن الزواج لأن الزوج أصبح (كمالة عدد) فقط !!

وبعد كل مشهد طلاق طال عدد حلقاته أو قصر تدب الحياة من جديد ويعود الحب والرومانسية !! فالجروح تبرأ والرومانسية تنتعش بسرعة تتعدى سرعة الصاروخ.. !!

وفي هذا المقال لا ننكر أن عالم الفن والفنانين والمشاهير هو الأكثر عرضة لحالات الطلاق نتيجة الأضواء والشهرة والمتابعة المستمرة من قبل الإعلام بل إن هذا العالم وما يترتب عليه من الضغوط والانفتاح والغيرة والخلافات المالية مدعاة للمشاكل الأسرية والخلافات الحقيقية التي لا تنتهي، لكننا نتحدث عن ظاهرة الطلاق الوهمي من أجل كسب المتابعين والذي لم يعد يخفى على أحد لا سيما وأنه مشهد متكرر لا يمت لتبعات الطلاق الحقيقي بصلة، فإما برود في المشاعر أو قوة في التصريحات والإثارة ثم عودة.

وقد يكون الطلاق حقيقيا من إخراج الزوجة (المشهورة) فقط دون سبب أو بأس، أو طلاقا وهميا باتفاق الطرفين وكلاهما له تأثيره على المتابع الذي يمتص المواقف ويقلدها.

لكن تبعات تلك المشاهد العابرة بالنسبة للمشهور وخيمة على المشاهد وخاصة النساء فالبساطة التي يصورون بها الطلاق والسعادة بعده تجعل سريعات التأثر من الزوجات يقلبن ظهر المجن على حياتهن (المستقرة) ويقذفن بمكونات أخرى في أسرهن عرض الحائط ويطالبن بالطلاق والحرية، ثم يكتشفن أن الموازنة خاسرة بكل المقاييس، فطلاق الزوجة العادية عادي في كل شيء فلن يكون محور اهتمام العالم ولن يجلب الحظ والمال والحرية، بل هو قرار جاء على سبيل الإعجاب والمحاكاة، جلب للمرأة تبعات خطيرة ومسؤولية إعالة أبناء وعيونا لا ترحم..

وإذا كان مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي أصبحوا قدوات المجتمع وأصبح تقليد حياتهم ومحاكاتها الوبال الجاثم على صدور العقلاء بمقتنياتهم ومشترياتهم وسفرياتهم فإن فتك الجيوب أقل ضررا من فتك الرباط الغليظ وتمزيق الأسرة، وإذا كان الطلاق قرارا سهلا لبعض المشاهير فهو قرار مصيري لكل من أنعم الله عليه بحياة هانئة مستقرة وهو دمار شامل للبنة مهمة من لبنات المجتمع.

أيها المشاهير: اعلموا أن قراراتكم لا تؤثر عليكم فقط فلا تحللوا وتنظروا وتعمموا بل كونوا عونا على ترابط المجتمع وتماسكه وراقبوا الله في مجتمع آلت فيه القدوة إليكم، خاطبوا الجميع بلغة الحب والرحمة لا المصالح، فكل رباط مقدس حله تأثيركم فعليكم إثمه.. وحيكوا مؤامرات (تحديث الشهرة) ! بعيدا عن مدمرات الحياة الزوجية والأسرية.. والسلام..

@Ganniaghafri