هناء مكي

شخصيا أعتبر هذا العام هو عام الصين بلا جدال، لا أصدق أن الصين ربحت جل معاركها إلى الآن وتسيدت المشهد العالمي بلا منازع، وكبدت كل من خالفها ويخالفها هزيمة نكراء، هذا العام لوحده أثبت أن الصين تسير نحو تسيّد العالم بطرقها المبتكرة كمنتجاتها حتى قبل انتهائه. إنها تصنع السياسة الجديدة على طريقة التجارة والتصنيع التي تتربع على عروشها.

كانت شاغلة الناس طيلة العام وخاضت كل حروبها وإن خسرت فهي تعاود الكرة لتفوز، وآخر نجاحاتها أنها تخلصت من عقبة تمنعها من التقدم في أكبر أسواقها بالعالم، حين خسر عدوها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقعده الرئاسي في سابقة فريدة، وهو الذي قاد ضدها أبشع الحروب التي كلفتها خسائر تفوق خسائرها مع فيروس كورونا.

لم يكن عام 2020 عاما عاديا بالنسبة للصين حيث كلفها الكثير الخسائر في الأرواح والمال، وعلى الرغم من أن فيروس كوفيد -19 انطلق من أراضيها وغزا العالم، استطاعت أن تكون أول الدول التي تتخلص منه وتتعافى وتسيطر على انتشاره، لتحصل على تسمية «أول اقتصاد يتعافى من وباء كوفيد- 19.

ففي وسط تجميد الأنشطة الاقتصادية حول العالم؛ بسبب انتشار الفيروس والفشل الذي منيت به الأجهزة الطبية العالمية وشركات الأدوية من الحصول على لقاح يحد من انتشاره وتساقط الأرواح المليونية بشكل يومي، سجل الاقتصاد الصيني نموا بلغ 0.7 بالمائة خلال التسعة الأشهر الماضية، إذ كانت الصين تعيد تمركزها في الأسواق وتعاود أنشطتها التجارية بشكل أثار دهشة العالم حقا، حتى ذهب البعض إلى اتهامها بأنها صاحبة المؤامرة التي أركعت العالم واقتصاداته كلها تحت قدميها.

والأكثر دهشة هو إعلانها عن الخطة الخمسية لتطوير الاقتصاد الصيني نهاية أكتوبر الماضي، وهي الخطة الرابعة عشرة في سلسلة الخطط التطويرية متوسطة المدى لرؤية الصين التنموية التي انطلقت منذ العام 1953، بعد انتهاء خطتها الخمسية الثالثة عشرة التي أطلقتها العام 2016 إلى 2020. ستركز الخطة الجديدة على التطور والابتكار التكنولوجي والاهتمام بالداخل الصيني وتشجيع الاعتماد على الذات والتنسيق على الانفتاح مع الأسواق الخارجية.

هذه الأهداف لا تأتي سدى، إنها من واقع المخاطرة التي عاشتها طيلة الأربع السنوات الماضية من خلال حربها التجارية مع أمريكا. تسببت سياسة الرئيس ترامب بوقف التعامل التجاري مع الصين والتلويح بالعقاب عبر قوانين واشتراطات طالت أكبر شركات التكنولوجيا والمنتجات الذكية الصينية ونواقلها، ما تسببت في تأزم يطال الاقتصاد الصيني، ليكتشف بأنه مكشوف وأنه معتمد على نواقل الشركات الأمريكية.

كانت للرئيس ترامب في حربه على المنتجات الصينية وفرض نوع من الحماية على السوق الأمريكية وصناعاتها، هدفا وطنيا وهو الحفاظ على المنتج المحلي وجعله الخيار الأول لدى الأمريكان، بيد أن هذه الحرب لم تنجح بحسب خبراء أمريكيين. فسرعان ما وجدت السوق الأمريكية البدائل بعد ارتفاع أسعار المنتج المحلي، ودخول منتجات أقل جودة وتكلفة كالكندية والمكسيكية، على إثر إعادة اتفاقية التجارة الحرة مع البلدين، وهو أمر كان ملحا للغاية ما أظهر مدى اعتماد السوق التجارية الأمريكية على المنتج الصيني الذي كان أساسيا، وعليه يقيس الخبراء مدى نجاح الهدف الرئيسي من تلك الحرب المبالغ فيها. فهي في الواقع أضرت بالعملية التجارية والشركات والعلاقات وكسب الثقة، ولم يستفد حتى المستهلك الأمريكي منها. ولكن بالمقابل نجحت أيضا في أن تكسب الصين في سد ثغراتها وتأخذ درسا مفاده الاعتماد على نفسها وتهيئة البنية التحتية لصناعاتها وهذا ما يمكننا فهمه من خطتها الخمسية وطريقة تعاملاتها التجارية الأخيرة.

بعد كسبها حروبها، ها هي تعيد تموضعها الاقتصادي بالاعتماد على نفسها، منطلقة من الداخل، بعد فقدها الثقة وخذلانها من الأسواق الدولية. على الأرجح الصين تستعد لتتسيد العالم خلال السنوات القادمة.

hana_maki00 @