عبدالله الغنام

قد يحاول البعض منا جهده في أن يتحاشى كثرة النقاشات والكلام والردود على تويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي. والذي يعجبنا فيه (تويتر) أنه صمم أصلا لإعطاء الخلاصة لا لكثرة الحديث والثرثرة. والبراعة تكون في الإيجاز لا في الإطناب.

ومواقع التواصل تحتاج إلى وقت وجهد ونفس للكتابة، ومراجعة الفكرة وتنقيحها؛ حتى لا نرمي الكلام جُزافا، وحتى يحترم الناس ما نقول!، فنحن مكلفون ومحاسبون عما نقول. وعثرة الكلمة وطؤها شديد. وقد قيل: رب قول أنفذ من صول.

وأعتقد أن كثرة الكلام والمشاحنات لن تغير القناعات المتصلبة، والتي تنجرف في لذة النقاش والاحتدام لا من أجل التعلم والفائدة بل من أجل لذة وإشباع الذات. ثم يتلوه الدخول في المقاصد والنيات وينتج عنه الجدل المذموم. وأسوأ شيء هو الاستنتاجات الخاطئة مثل: (أنت تقصد كذا) أو (نيتك كذا)! وقد روي ابن القيم -رحمه الله- قال: والله إن العبد ليصعب عليه معرفة نيته في عمله، فكيف يتسلط على نيَّات الخلق؟!

وتأملوا معي متن هذا الحديث، فعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: «دخل عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعلى فاطمةَ رضيَ اللهُ عنها من الليلِ فأيقظنا للصلاةِ قال: ثم رجع إلى بيتِهِ فصلَّى هوِيًّا من الليلِ قال: فلم يسمع لنا حِسًّا قال: فرجع إلينا فأيقظنا وقال: قُوما فصلِّيَا قال: فجلستُ وأنا أعرُكُ عيني وأقولُ: إنَّا واللهِ ما نُصلِّي إلا ما كُتِبَ لنا إنَّما أنْفُسُنا بيدِ اللهِ فإذا شاء أن يَبْعثنا بَعَثَنَا قال: فوَلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو يقولُ ويضربُ بيدِهِ على فخذِهِ: ما نُصلِّي إلا ما كُتِبَ لنا، ما نُصلِّي إلا ما كُتِبَ لنا، وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيٍء جَدَلًا». والنووي -رحمه الله- يرى في شرح الحديث أنه تعجب استنكار.

والحقيقة إني ذهلت حين قرأت هذا الحديث أول مرة، فقد كنت منذ زمن بعيد أريد معرفة ما هو مقياس الجدل؟ وما مقداره؟ فجاء هذا الحديث ليشفي علة التساؤل. فها هي بعض من الكلمات التي لم تتعد سطرا واحدا قال عنها حبيبنا عليه الصلاة والسلام: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيٍء جَدَلًا). والآن قس عليها تلك الردود المطولات جدا التي نخوضها في تويتر والواتس آب وغيرها. وكلما طال النقاش شُحنت النفوس أكثر لأنها الطبيعة البشرية التي تهوى وبقوة كلمة (أنا) ليكون على صواب والآخرين على خطأ إلا ما رحم ربي وقليل ما هم.

سنظل دائما ننتصر لرأينا من أول تغريدة إلى آخرها مع أنه كلما زاد العلم زادت مساحة الجهل! وعلينا أن نتوقع دائما أن الآخرين قد يكونون أعلم منا وأفقه، حتى ولو كنا أفضل منهم صياغة للكلام والفصاحة! فالعبرة بالحجة لا بالبلاغة. ودليل ذلك ما جاء في الحديث أَنَّ رَسُول اللَّه عليه الصلاة والسلام قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». والشاهد قوله عليه الصلاة والسلام: (ألحن في الحجة)، والذي يحتمل المعنى الفصاحة والبلاغة في الكلام ولكن بدون وجه حق! ولمجرد الانتصار للنفس وأنها على صواب.

والمقصد أن النقاشات على تويتر وغيرها حين تطول تصبح سامجة ومملة، ومضيعة للوقت والجهد بلا طائل! وتصبح أكثر فداحة حين ندخل عالم النيات (أنت تقصد ونيتك كذا)، ويكثر فيها زلات اللسان والتراشق بالألفاظ والطعن في القلوب وما أشنعها من طريقة في الاقناع!

والخلاصة، اعط رأيك بدون شروحات ودع الآخرين يفكرون فيه، وقبل ذلك كله تذكر دائما كلمة (لا أعلم) فإنها المنجية من زلة اللسان!

abdullaghannam@