عمار محمد العزو

تعتبر الحروب والأزمات المختلفة نقطة تحول في التاريخ البشري، ونحن الآن في زمن الكورونا الذي سيغير وجه العالم.

كورونا، كما كل الأزمات والحروب، سيهز العالم ويصبح محطة تأريخ قد لا تتكرر إلا كل مائة عام، ورغم نتائجه المأساوية إلا أن له جوانب إيجابية كثيرة، وأهمها أن هذه الأزمة أثبتت أن البيروقراطية عقيمة، وأن للتشريعات الحكومية والقوانين القائمة جوانب قاتمة لا بد من معالجتها وتطويعها وتطويرها.

إن حكومات العالم ومعظم شركاته، ما كانت لتؤمن بالتعليم عن بعد، والعمل عن بعد، وتقديم كل الخدمات عن بعد لولا هذا الضيف الثقيل -كورونا- الذي أخرج كل هذه المنظمات من عنق الزجاجة وأجبرها على اختصار الزمن سنوات عديدة للتعامل مع مزايا وتقنيات التكنولوجيا، بل لولا كورونا لانتظرنا عشر سنوات أخرى لنرى هذا التحول الرقمي الذي ساد العالم أجمع فجأة وبحكم الضرورة.

لقد كانت التكنولوجيا والمؤسسات العالمية متقدمة بأشواط عن عقلية الحكومات التي كنت غالبا لا تعترف بالتعليم عن بعد، ولا تؤمن بالتعامل مع المنشآت والشركات التجارية وتسجيلها وإكمال متطلبات العمل عن بعد، وفي زمن الكورونا استطاعت تكييف أوضاعها في أيام قليلة للقبول بما عاندت في قبوله سنوات عديدة.

ليس هذا فقط، بل أصبح زمن الكورونا هو الدافع الرئيس في تغيير نمط الأعمال وأساليب الأنشطة المختلفة، إذ أصبح العالم يشهد، وسيشهد أكثر بعد انقضاء هذه الأزمة، ولادة شركات جديدة، وتعديلا في أنشطة شركات قائمة ستشهد ازدهارا لعقد كامل من السنوات على الأقل، والنصيب الأكبر منها سيكون للنشاط التجاري والخدمي عبر التطبيقات، سيكون التعليم أونلاين، التسويق أونلاين، التوصيل أونلاين وغير ذلك، وهذا ما دفع شركة مثل أمازون إلى تعيين مائة ألف عامل إضافي لتلبية الطلبات الهائلة للزبائن منذ ظهور هذا الفيروس.

وأكثر من ذلك، فإن قادم الأيام سيشهد تغيرا في أساليب الدفع وطرقه، إذ سيتم تقليل الاعتماد على العملة الورقية كطريقة دفع، وستخسر الجولة أمام العملات المشفرة والدفع عبر الإنترنت، بحكم أن العملة الورقية غير آمنة في التعامل لانتقالها بين أيد متعددة وخوف الناس من التعامل مع الصرافات الآلية التي يلمسها الجميع.

لن يكون العالم بعد كورونا كما كان قبلها، ومن يتصور أن العالم سيعود إلى أساليبه القديمة البيروقراطية فهو واهم، لأن الأفكار الجديدة إذا ثبت تجربتها لا تموت، قد تخبو ولكنها ستعود من جديد.

لن تعود شركات العالم بل وحكوماته إلى اللقاءات المباشرة، أو إلى مؤتمرات يحضرها الآلاف يسافرون من بلد إلى بلد، بل ستكون هذه اللقاءات والمؤتمرات في غالبها افتراضية عبر الإنترنت، ولعل مبادرة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الدعوة إلى قمة افتراضية لقادة مجموعة العشرين، التي تتولى المملكة رئاستها العام الحالي، للبحث عن خطط التعاون في مكافحة فيروس كورونا هي دليل واضح على ذلك.

@alezow