د. فالح العجمي

يعرف كثير منا مقولات وأمثالا وحكما قيلت في فوائد السفر، وضرورته من أجل تكوين شخصية الإنسان المتزنة القادرة على التعامل مع مختلف القضايا، وفهم كثير من الأمور، وبصورة خاصة ما يكون منها مستجداً أو متعلقاً بثقافات أو رؤى عالمية أخرى، قد تختلف عن الرؤية المحلية في المقاربة والتحليل. لكن الأقل من الناس هم الذين يعرفون لماذا يحدث ذلك، وربما يتساءلون: ما علاقة السفر والغربة وتغيير البيئة الاجتماعية والثقافية بكل ذلك؟

ماذا تفعل بنا الأسفار ذات المغزى، التي يخطط لها المرء بعناية، ويتعمق من خلالها في نسيج المجتمع والثقافة، التي ينتقل إليها في سفره، أو يعيش داخلها في غربته؟ في الواقع أنها تنزعنا من جزء من ذاتنا نفسها، وعن بعض خصائصنا المتأصلة فينا. كما يجري خلالها الابتعاد عن كل ما هو مركزي في حياتنا المعتادة، ويهجر المرء فيها عائلته ومحيطه الاجتماعي، كما يصبح خارج بيئته وثقافته وأحياناً لغته أيضاً؛ وفي المقابل يحصل له الانعتاق من العصبيات، التي تسجنه داخل العقل النمطي الموحد. ومثلما يحدث الألم بسبب فقدان المرء للحاضنة الاجتماعية والمؤازرة الثقافية، إلا أنه يقود في كثير من الحالات إلى انطلاق وفرحة بالاكتشافات الجديدة، والتعرف على أنماط حياة جديدة، وأكثر من ذلك كله: رؤية الذات الفردية والجمعية من الخارج. وهكذا لو أحسنا التفكير في هذا الشأن سنرى أن هذه العملية تؤلم وتسعد في الوقت نفسه، فهي تؤلم لأن نزع نفسك عن سماتك الأصلية أمر عسير حتماً، وتُسعد لأن هذا ما نحبه في الآخرين أكثر من أي شيء آخر، وهذا هو ما يحبه الآخرون فينا إذا لزم الأمر.

وباستعارة رمز «عوليس» من عالم الأساطير، وهو كما تصوره المخيلة الأسطورية ذكي وقوي وماهر وشجاع أيضاً. وتلك الصفات كان اتصافه بها مؤكداً، لكن ثمة ما هو أكثر، فقد كان «عوليس» فضولياً بالفطرة، يحب أن يفهم، ويعلم، ويعرف ويكتشف البلاد والثقافات وكائنات تختلف عنه. ومن السطور الأولى من الأوديسا نعرف أنه ليس «الرجل ذا الألف حيلة» فحسب، كما يقول هوميروس، وأنه ليس «نهّاب طروادة». هو يمتلك أعلى درجات ما أسماه كانط «الفكر المتسع»، الفضول بشأن الآخر، رغبة قوية جداً للانفتاح، تقوده أحياناً لمواجهة الخطر دون داعٍ كما حدث في جزيرة السيكلوب، لأنه كان يريد فعلياً أن يعرف ما إذا كانت تلك الكائنات العملاقة من «أكلة الخبز»، أي كائنات متحضرة تشبه البشر، الذين يحترمون قواعد حسن الضيافة، أم هي على العكس وحوش لا إيمان لها ولا قانون. وهذا الفضول الذي يدفعه لتوسيع الأفق على نحو متواصل هو الذي يجعله إنساناً حقيقياً، إنساناً يمتلك تجربة، وبوسعه أن يمارس إغواء، قليلون جداً مَنْ ينجون منه، لأنه صلب وعنده ألف شيء ليرويه للنساء والرجال. «عوليس» ناضج، «رجل فعلياً»، كما يقال في الروايات الرومانسية، وحكيم، ويفيض بالتجربة، وكائن متفرد، لا يمكن استبداله، ولهذا هو مغوٍ بصورة لا تُصدق.

عندما سألت صحفية برازيلية الكاتب الفرنسي لوك فيري عن فائدة السفر في توسيع الأفق، وفيما إذا كان الشباب المفتولو العضلات على شاطئ كوباكابانا لا يمارسون إغواء، حتى إن لم يغادروا منطقتهم لتوسيع أفقهم بواسطة الرحلات ومعرفة الثقافات الأخرى! رد الكاتب بإجابة نسردها في مقالة أخرى.

@falehajmi