سالم اليامي

سيبقى يوم 28 يناير 2020 علامة فارقة في صناعة السياسة والتجارة والسلام في منطقتنا العربية، وفي العالم حيث انتظر العالم بأسره الإعلان الأمريكي عن الرؤية الأمريكية الجديدة، ويقصد بالجديدة رؤية الرئيس الأمريكي السيد ترامب وإدارته لمنطقة الشرق الأوسط، وتحديداً لمعضلة هذا الشرق، أي القضية الفلسطينية، ومقاربتها بالحل بين الفريقين الرئيسين الفلسطينيين ومن ورائهم العالمين العربي، والإسلامي، والإسرائيليين وما يحظون به من دعم دولي، وأمريكي على نحو خاص. عندما قدم السيد ترامب إلى الرئاسة في أكبر بلدان العالم تحدث بشكل واضح عن عزمه الاقتراب من مشاكل شائكة، ومهمة في العالم، وأنه عازم على فعل شيء تجاهها، ومن بينها القضية الفلسطينية، وعلى طبيعة الرجل نظر إلى الخلاف العربي الإسرائيلي على أنه ملف شائك، وصعب يجب التعاطي معه من طرف أمريكي كتفرغ لهذا الشأن هذا أولاً، وثانيا فكر الرجل في أن يكون هناك حل، وحلول مبتكرة تخرج من إطار التقليدي، الأمني، والتاريخي، والسياسي. وبناء على هذه المعطيات، وغيرها من محددات الرؤية الأمريكية تم تكليف صهر الرئيس السيد كوشنير بالملف الأكثر تعقيداً، والأكثر إثارة للجدل. هذا الأمر تم قبل نحو ثلاثة أعوام من موعد الإعلان عن الصفقة. السيد ترامب والجهاز الحكومي الأمريكي، ومن خلفهم إسرائيل بقادتها الحالية، نظروا إلى الأمر على أنه إنجاز غير مسبوق من عدة نواحٍ، أهمها أن التفضيلات الإسرائيلية في الحل أخذت على محمل الجد، والجاهزية، الشيء الآخر أنه قبل التعاطي مع هذه الصفقة تم تمهيد المشهد بموضوعين في غاية الأهمية من وجهة النظر الدولية تخص المنطقة، والفلسطينيين ومعهم الإسرائيليون، الأمر الأول هو اعتراف الجانب الأمريكي بصفة غير مسبوقة بأن القدس عاصمة إسرائيل التاريخية والموحدة، الشيء الآخر منح الجانب الإسرائيلي أراضي كان متنازعا على ملكيتها في الجولان، وهذا عزز العمق العسكري الإسرائيلي، من جهة، وأعاد صورة الاحتلال، الذي يجب أن يقاوم في الذهنية والمخيال السياسي العربي العام. السيد كوشنير أو العراب المباشر للصفقة أنجز جزءا كبيرا منها قبل فترة زمنية ليست بقليلة، لكن الإعلان عن الصفقة بشكلها النهائي كان يعتمد، أو يتطلب أن تكون هناك مواءمة زمنية مع أمرين: الأول مناسبة الظرف للجانب الأمريكي، الذي تعاني إدارته من تنافس مع أجنحة أخرى في الحكم، والأمر الآخر يخص الجانب الإسرائيلي، الذي يعاني رئيس الوزراء فيه من مشاكل ومواضيع تتعلق بالثقة بشخصه، وبفترة قلقله انتخابياً. المهم أن السيد كوشنير أنجز ما يعتقد أنه مطلوب منه بصورة مغايرة عما تم في السابق، الجديد في رأينا هو أنه بالطريقة التجارية الحسابية الرقمية تمت إعادة ترتيب الأشياء بعيدا عن الاعتبارات التاريخية والتنظيمية الدولية كما كان يحدث في السابق، وعرضت الأرقام التي ستحول حياة الفلسطينيين إلى معطى جديد تغيب فيه معانٍ تقليدية مثل الوطن، والثورة، والكرامة، إلى مستويات الرفاه الاقتصادي، وفرص التشغيل، وعائدات الاستثمار الأجنبي الموعود. ربما هذه الصيغة جاءت وليدة الرؤية الجديدة لترامب، الذي وجد أن فرض الحلول في هذا الفضاء الشرق أوسطي لا يكلف الكثير، كل ما في الأمر اعتراضات مرحلية ومحدودة زمنيا، سرعان ما تغيب، وينساها الناس، وتعود الحياة إلى طبيعتها.

من نافلة القول، إن ما بات يعرف إعلامياً بصفقة القرن لقيت اعتراضا، ورفضا شديدا من الجانب الفلسطيني، والعربي، وذلك لاعتبارات كثيرة ليس أقلها أن كل الحوارات الأخيرة، التي سبقت الإعلان عن الصفقة غاب، أو غيب عنها الجانب الفلسطيني. وتم تعويض ذلك الغياب بحضور مكثف إسرائيلي، وهذا أعطى انحيازاً أمريكياً واضحاً للموضوع، وأخل بالتوازن التقليدي في حضور الخصوم، وحضور مواقفهم المتنافسة دائماً. ردود الفعل الفلسطينية، والعربية والدولية وتفاعل تفاصيل هذه الصفقة مرشح لأحاديث، وكتابات كثيرة من المرجح أن تشهدها الأيام القادمة.

salemalyami@