صفاء قرة محمد ـ بيروت

يعدّ مقتل مسؤول عسكري إيراني على الأراضي العراقية من خلال عملية أمريكية ممنهجة فور قدومه من سوريا، خير دليل على استخدام كل من طهران وواشنطن الجغرافيا العربية مسرحاً لصراعهما.

لهذا فالجميع يترقب تداعيات تصفية قائد فيلق القدس قاسم سليماني على منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في المناطق التي تمتد فيها الأذرع الإيرانية كـ«الحشد الشعبي» في العراق و«حزب الله» في لبنان.

» الفعل والخسارة

ويتوقع بناء على ما صدر من مواقف من جانب المسؤولين الإيرانيين أو الأمريكيين أن المرحلة قادمة نحو المزيد من التصعيد على خط طهران ـ واشنطن، خصوصاً لجهة اعتبار إيران أن اغتيال سليماني بمثابة اعتداء عسكري عليها ملوحة بأن يكون الرد عسكرياً، لهذا فستكون ردّة الفعل الإيرانية متناسبة مع حجم الخسارة التي منيت بها، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن الطرفين لا ينويان فتح جبهة الحرب على مصراعيها لهذا يبدو أن الاتجاه نحو رد محصور وليس مواجهة مفتوحة، لأسباب متعددة أهمها أن لإيران ظروفها وحساباتها، التي تمنعها من فتح جبهة الحرب، والتي يأتي في مقدمتها وضعها الاقتصادي المتعثّر في ظل الحرب الاقتصادية المفروضة عليها أمريكيًا، إضافة إلى أن ما حصل في العراق في الأشهر الثلاثة الأخيرة واندلاع ثورة ضد الوجود الإيراني في مناطق شيعية، وحرق مراكز القنصليات الإيرانية في النجف وكربلاء والناصرية وذي قار هو مؤشّر لا يمكن إغفاله، من شأنه أن يكبّل رد طهران، الذي يفتقر إلى البيئة الحاضنة.

في المقابل الآخر، لا تنوي الإدارة الأمريكية في وارد الدخول في مواجهة غير مضمونة النتائج في الوقت الذي يستعد فيه دونالد ترامب لخوض معركة التجديد لولاية ثانية، وتركيزه في هذه الفترة على الداخل والتصدي للحروب الداخلية، التي يواجهها.

» حرب ساخنة

اختارت واشنطن هذا التوقيت تحديداً للنيل من سليماني وتحويل حربها الباردة مع إيران إلى ساخنة، قبل مضي البرلمان العراقي نحو التصويت على قانون «إخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية»، الذي ينهي الإنفاق الأمني الموقّع بين واشنطن وبغداد عام 2008، والمدعوم من الكتل الشيعية في البرلمان العراقي.

وعليه، تسعى الإدارة الأمريكية من خلال العملية الأخيرة إلى فرض واقع جديد في المنطقة عبر استدراج إيران إلى طاولة المفاوضات والضغط عليها للرضوخ لشروط واشنطن، التي ترفضها طهران تماما، وبذلك تكون الأولى قد تمكنت من ترسيخ أقدامها في منطقة الشرق الأوسط.

وهذا ما أكده الرئيس ترامب عندما أعلن أن «الإجراء الذي اتخذته الولايات المتحدة جاء ليضع حدا لفظائع سليماني لا لخوض حرب»، موضحاً أن «بلاده لا تبحث عن تغيير النظام الإيراني على الرغم من «البلبلة»، التي يحدثها في المنطقة».

وتبعًا لذلك، تبقى الحقيقة الأكيدة أن الجغرافيا العربية هي مسرح لصراعات الدول العظيمة شئنا أم أبينا بكل ألوانها وأشكالها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وحدها الشعوب العربية مَنْ تدفع ثمن ذلك، بغض النظر عمن سيفوز واشنطن أم طهران، فحسابات الربح والخسارة تقرأ من زوايا مختلفة.