فهد سعدون الخالدي

المتتبع لخطوات التطوير والتحديث في مجال التعليم في بلادنا، خاصة أولئك الذين اطلعوا سواء خلال الزيارات أو القراءة، والاطلاع على تجارب بعض الدول المتقدمة والتي بلغت في هذا العصر مكانة عظيمة في مجال الحضارة والصناعة والاختراع، يلاحظ التشابه في مسيرة كافة الشعوب من حيث البدايات والتجارب والتعثر والنجاح، وفي الوقت الذي يكون فيه المخلصون والمحبون لوطنهم على عجلة من أمرهم؛ لرغبتهم أن يشهدوا وطنهم ومؤسساته في المكانة التي تليق بالأمة والوطن بين الأمم، فإنهم يقرون أنه لا بد من هذه المرحلة التي نمر بها وهي مع نجاحاتها وإخفاقاتها مرحلة لا بد منها، وصولا إلى ما نتطلع إليه من آمال، ولذلك وحتى لا نيأس أو نحبط فإن الاطلاع على تجارب الأمم الأخرى ربما يكون دافعا للمزيد من الثقة بالنفس، وبأهمية التطوير والتغيير، وتقبل بعض التعثر مقابل النجاحات الأكثر التي نشهدها والتي لا بد من الاعتراف بوجودها. ففي جميع الأحوال لا يمكن القول إننا نراوح مكاننا، ولا ينكر ما تحقق خلال ما يزيد قليلا على نصف قرن من مسيرة التعليم النظامي في بلادنا ليس قليلا، بل هو في معظمه وفي حقيقته إنجازات في أقصر من الوقت الذي يحتاجه مثلها من الإنجازات، بل إن الأمم التي نتمنى اللحاق بها اليوم ربما أخذت وقتا أطول مما قضيناه في الوصول إلى ما وصلنا إليه، ومع ذلك فإن الطموحات تظل أكبر وأكبر، ولكن الثقة بإمكاناتنا وتصميمنا على الوصول إلى أهدافنا لا بد أن يكون قناعة لا نتردد في الإيمان بها، مرددين قول الشاعر:

وما استعصى على قوم منالٌ

إذا الإقدام كان لهم ركابا.

ولذلك، فإن استعراض تجارب هذه الأمم ربما يكون ضروريا ومفيدا أيضا فيما نتطلع إليه، ومن يطلع على التجربة اليابانية يجد أنه لا يزال هناك جدل قائم على ما يسمى التعليم بالحشو، وهو نظام تعليمي يقوم على برامج ودورات تعقدها مراكز تعليمية ومدارس خاصة «أهلية» تهتم بتكريس أكبر قدر من المعلومات والمعارف في أذهان التلاميذ إعدادا لهم للامتحانات التي تؤهلهم للالتحاق بالمراحل الثانوية والجامعية، والبعض من هذه المدارس التي أنشئت منذ أربعة عقود ما زال موجودا وفيه عشرات الآلاف من الطلاب، وظلت تواصل عملها طوال هذه المدة دون أن يلتفت أحد إلى الخطر الذي تمثله على الثورة التعليمية التي تشهدها اليابان حاليا، مع أن بعض الخبراء والتربويين يعكفون الآن على دراسة أثر هذه المدارس على التعليم بعد أن غزت كافة المراحل التعليمية، وفي هذه المدارس التي تنتشر بشكل خاص في العاصمة اليابانية يضم الفصل الواحد ما يزيد على «80» طالبا يقضون «72» ساعة في تعلم طريقة الكتابة باللغة اليابانية، وهي لغة معقدة يزيد فيها عدد الحروف المستخدمة في الكتابة على مائتي حرف يمثل كل حرف منها كلمة أو مفهوما أو معنى أو صوتا محددا. ويحتوي كتاب النصوص الخاص بتعليم هذه اللغة والمصمم لطريقة التعليم بالحشو على تدريبات صعبة، تجعل الطالب الذي يجتاز الاختبار في هذه المادة أعلى وأكثر مهارة من أقرانه في المدارس النظامية التي لا تتبع نظام الحشو في التعليم، ويتلقى المعلمون العاملون في تلك المدارس تدريبا ودورات تستمر عاما كاملا على أساليب ومناهج التعلم بطريقة الحشو، ومن أبرز ما يتدربون عليه وسائل جذب انتباه الطلاب من خلال توظيف لغة الجسد وإيماءاته لضبط الصف وضمان تفاعل الطلاب وانتباههم، وتهتم هذه الطريقة بأن يعيش الطلاب جوا من الحيوية والمرح، مما يدفعهم إلى الحيوية والاستعداد للمشاركة ورفع أيديهم للإجابة عن الأسئلة التي لا يتوقف المعلم عن طرحها، ومن المفارقات أن الحصة الدراسية تستمر حوالي «5» ساعات، يتناول الطلبة بعدها طعام الغداء ثم يعودون للحصة الثانية، وبذلك يبلغ طول اليوم الدراسي الذي يتكون من حصتين اثنتي عشرة ساعة كاملة، يعودون بعده إلى منازلهم بعد يوم دراسي كامل ومكثف.

@fahad_otaish