خالد الشنيبر

الفساد مرض عضال نجده في كل المجتمعات مهما اختلفت تركيبتها الداخلية، وتتعدد جوانب تشخيصه اقتصاديا واجتماعيا، وتختلف أنواعه من خلال الرشوة أو الواسطة أو اختلاس المال العام أو المحسوبية وغيرها، ويعتبر ظاهرة منتشرة ذات جذور عميقة تأخذ أبعادا واسعة تتدخل فيها عوامل عديدة يصعب التمييز بينها، وهذا المرض يجب محاربته من خلال المجتمع بأكمله وليس من خلال جهة واحدة. في الأسبوع الماضي كشفت تقارير صحفية عن إدانة عدد من القياديين في قضايا فساد تتعلق في إجراءات متعلقة بالتوظيف، وللأسف تلك الظاهرة نجدها بسبب عدم وجود إجراءات واضحة تتعلق في التوظيف بجميع مستوياته، وهذا الملف المهم يعتبر هدرا للمال العام وهدرا لإبداعات كوادر بشرية محلية يتم إقصاؤها بلا سبب، ولذلك يجب أن يتم التعامل معه بكل حزم وخاصة للوظائف القيادية، وفي هذا المقال سأكتب عن أهمية وجود مرجع رسمي يتبع للجهات العليا في المملكة فيما يخص توظيف القياديين للجهات العامة. قد نجد كفاءات في بعض الجهات تربط ما بينهم صلة القرابة، وكوجهة نظر شخصية أرى أن صلة القرابة وحدها لا تعني إقصاء تلك الكفاءات أو اتهامها بالفساد إذا كانت إجراءات التوظيف واضحة وبلا أي أفضلية لطرف عن باقي المرشحين قبل التعيين، فنحن في وقت نحتاج فيه لزيادة الكفاءات «كما و نوعا»، ومن الممكن الاستفادة من تلك الكفاءات في جهات أخرى من خلال التدوير الصحيح في جهات أخرى لخدمة الوطن، ولكن إذا كانت الإجراءات بلا شفافية وخاصة في إجراءات توظيف أقارب لا علاقة لهم «تخصصا» في المنصب حتى ولو لم تكن في نفس الجهة المعنية وبأفضلية عن غيرهم فهنا تكمن شبهة الفساد ويجب بترها ومحاسبة المتسبب فيها. في تعيينات الوظائف «القيادية»، إذا كان الاعتماد على مبدأ «العامة» أكثر من الاعتماد على «المختصين» فلن يكون هناك أي تطور، فالاعتماد على «المختصين» يعتبر مؤشرا مهما للتقدم؛ لأنهم ثروة للوطن وعماد لنهضته، ولذلك ينبغي الاهتمام في «تكوين» وتمكين تلك الفئة، ولتوضيح المقصد من مبدأ «العامة» فهو من كان في منصب قيادي بلا تخصص وخبرات ويُعتقد أنه سينجح في أي منصب قيادي آخر، ويتم تدويره بين المناصب بلا أي إنجازات تُذكر بسبب المحسوبيات أو ما يسمى بالواسطة من قريب أو صديق. النجاح الإداري لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود مبدأ عام وإجراءات واضحة بكل شفافية، والتساهل خصوصا في إجراءات التوظيف سيكون له أثر بالغ في انتشار الفساد، ولو رجعنا للعديد من قضايا الفساد التي تم الكشف عنها سنجد أن التنظيم الإداري كان ضعيفا، ولذلك من المهم أن يتم إعادة النظر في إجراءات التوظيف حتى لا يكون هناك هدر للمال العام وهدر لإبداعات كفاءات بشرية يتم إقصاؤها. التعيينات والترشيحات للوظائف القيادية تندرج تحت ''صناعة القيادات والتي ينبغي أن تكون صناعة مستمرة ومتواصلة في المملكة، وكوجهة نظر شخصية أجد أهمية لوجود مرجع رسمي يتبع للجهات العليا في المملكة تنحصر مسؤوليته في مراجعة كافة ملفات المرشحين والتأكد من كفاءاتهم ومؤهلاتهم ومهاراتهم لجميع الوظائف القيادية في الجهات العامة بمختلف مناطق المملكة بعد رفعها من الجهات نفسها، ويتم البت النهائي في قرارات التعيين من خلال المركز نفسه وليس من الجهة التي سيعمل بها. ختاما: بناء البشر مُقدم على بناء الحجر، والإمكانيات التي نمتلكها كبيرة ولله الحمد، والكفاءات المحلية بانتظار الإشارة فقط، وأكرر بأننا في حاجة لتكوين وتمكين كفاءات محلية بشكل أكبر لقيادة المرحلة القادمة «كما ونوعا».