عبدالحميد الحمادي

التاريخ يبدأ بعد رحيل الإنسان أو انتهاء الأحداث، وأكثر السير والتراجم دقة وصدقا ما تعدد الرواة فيها، وأجمع الناس على تاريخ رجالها أو مضامين أحداثها، وأعظم ما قيل في الشهادة للأموات والراحلين قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنتم شهداء الله في أرضه»، والمنقبة تطلق على الفعل الكريم والسيرة الحسنة والأخلاق الطيبة، والاهتمام بالمناقب يعني الاهتمام بالحضارات، لأن الحضارات مزيج من العادات والبقاع والقيم والثقافات والإنجازات، كما أن الاهتمام بمناقب الناجحين من الرجال المخلصين يُسهم في تكوين الأجيال ويعزز تاريخ الأوطان.

أطل علينا برنامج سعود على قناة mbc ليقلب صفحات تاريخية وثائقية عن حياة رجل الأناقة والدبلوماسية الأمير سعود الفيصل - رحمه الله -، ليحكي لنا حياة النجاح بمفهومه الحقيقي المبني على مبادئ الإخلاص، والشعور بالمسؤولية، وثبات المبدأ، ومشاعر الإنسانية، وقوة الصمود، واحترافية الأداء، والثقافة الواسعة، والوطنية الراسخة، والاعتزاز بالانتماء، وذكاء القيادة، وتحمل المشاق، وبساطة المعيشة، وقوة التواصل مع محيط الأسرة، والشخصية الفريدة فكرا وخلقا ونبلا.

عندما تحدث المشاركون في برنامج سعود عن الأمير سعود الفيصل، لم نجدهم يواجهون صعوبة في استحضار المناقب، وهذا هو سر النجاح، لأن المنقبة باتت طبعا وسجية وخلقا وعادة، فلذا تجدها حاضرة في أذهان المشاركين في برنامج سعود، حيث أجمعوا على رباعية النجاح العلم، الفكر، الأخلاق، والمهارات. أما العلم فحصوله على الشهادة الجامعية خلال ريعان شبابه دون أن ينبهر بحضارة الغرب، وأما الفكر فانهماكه في القراءة واهتمامه بالثقافة رغم تعدد مهامه ومسؤولياته، وأما الأخلاق فقدرته على إدارة مشاعره رغم صعوبة الحياة السياسية وتباين مواقفها، وأما المهارات فتعدد اللغات وإتقانه مهارات الاتصال ولغة الجسد فكانت جزءا من تركيبة شخصيته، رحمه الله تعالى.

إن إطلاق مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، برئاسة الأمير تركي الفيصل - وفقه الله - برنامج سعود، يعتبر عملا تاريخيا وطنيا هاما، لتعلقه وارتباطه بأهم وأبرز شخصية دبلوماسية على مستوى العالم، ويتيح أيضا للشباب والسفراء والمسؤولين قراءة أسرار العظمة والعبقرية والنجاح، وقد يكون فرصة لإدراج دراسات أبعاد شخصية الأمير سعود الفيصل لطلاب الجامعة، ولا سيما تخصص العلوم السياسية، وأيضا قسم التاريخ، وعلم النفس.

أبرز رسالة يمكن أن نقرأها في شخصية الأمير سعود - رحمه الله -، أن مقومات النجاح ثابتة لا تتغير، الإخلاص في العمل، والاهتمام بالنمو المهني والثقافي، والعناية بذوق الكلمة وقوتها، رحم الله سعود الفيصل، وعوضنا خيرا في الوزيرين معالي الدكتور إبراهيم العساف، ومعالي الأستاذ الرائع عادل الجبير.