يعيش الإنسان بين زحمة النعم متلذذًا بعلومه، ومفتخرًا بمعرفته الفكرية التي جعلته يُسخّر الحياة بظروفها لصالحه.. لقد وهب الله تعالى العقل البشري ما لم يهبه للمخلوقات الأخرى، فوظائف العقل ساعدته على الوصول إلى ما نحن عليه الآن.. فالعقل البشري استطاع تحويل الجهل إلى علم بدافع الحاجة، وكما قيل سابقًا: «الحاجة أم الاختراع».. عندما نفكر في كيفية وصولنا إلى هذه العلوم والمعارف سنجد أن للجهل دورًا كبيرًا في دفع العقل لتشغيل أدواته، كالتفكير مثلًا.
فالجهل كان نعمة العقل البشري الذي استطاع أن يتحرر منه، وذلك بدافع الحاجة التي كان يبحث عنها العقل. فحاجة الإنسان كانت كالولادة المتعسّرة في رحم الجهل حتى استطاع العقل تحريك أداة التفكر؛ ليكون المولود هو «الاختراع»؛ ليصل الإنسان إلى تلك الاختراعات والعلوم التي لبَّت حاجته.. فسبحان مَن أعطى الإنسان عقلًا مُدبِّرًا؛ ليعيش معمِّرًا لهذه الأرض، ومستفيدًا من خيراتها.. فالله تعالى أمر الإنسان بالتفكّر، فهي دعوة من الله تعالى ليُعِين عباده على استخدام إحدى أدواته، وهي التفكر.
وفي الجهة المقابلة، عندما استحوذ الجهل على العقل حتى استطاع أن يُعطل أدواته، استسلم العقل للجهل حتى أصبح الجهل مقدَّرًا.. ففي مرحلة من مراحل العقل البشري، كان الجهل منبع الأساطير والخرافات التي كان يستسلم لها العقل دون تفكير وكأنه مُغيَّب.. ولأن الجهل كان مقدّرًا، فإن لقوته أثرًا كبيرًا في تخلّف العقل ببعض الأزمان..
وكان لتاريخ الجهل المقدَّر رحلة في عالم البِدَع والخرافات الغيبية التي عجز العقل عن تفسيرها واستسلم لها.. فلا لومَ عليه؛ لأن نقص العلوم والمعارف في ذاك الوقت كان له الأثر الكبير في اتساع مساحة الجهل بالعقل البشري.
والآن ونحن في هذا الزمن، وقد أتقن العقل كيفية استخدام أدواته.. وكان لحجة العلم والمعرفة الأثر الكبير في تفسير ظواهر الغيبيات التي كانت تسيطر على جهل العقل في ذلك الوقت؛ لذلك، علينا أن نتأمل جمال نعمة العقل، وألا نستسلم للعقول التي ما زالت تجعل الجهل مقدّرًا.. فالعلم والمعرفة والإيمان العميق بنِعَم الله تعالى، أمور ساعدت العقل على تخطّي عالم الجهل؛ ليبدع الإنسان في تسخير ظروف الحياة له.. فلنساعد عقول أطفالنا على تشغيل أدوات عقولهم، واستخدامها لفك شفرات العلوم القادمة.. فالجهل قد أعمى بصيرة العقل وكان سببًا في دمار علماء ومخترعين في زمنٍ ما.. فلنشجّع عقولنا وعقول أطفالنا على التقدم واكتشاف المزيد من العلوم؛ لنؤدي رسالة البشرية في إعمار الأرض.