عبدالله الغنام

تناولت مؤخرا وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الصحف أخبارا غريبة وعجيبة عن شروط الزواج. فمنها على سبيل المثال: منع الزوج من السفر إلا بإذن الزوجة!، اشتراط معرفة كلمة السر لجهاز الكمبيوتر والجوال، تخفيض الوزن خلال مدة محددة، عدم الاشتراك في الاستراحات، السماح للزوجة بالخروج في أي وقت تشاء. بالإضافة إلى الشروط المادية المبالغ فيها سواء في المهر أو مؤخر صداق أو شراء سيارة معينة أو الرحلات والسفر لأماكن معينة.

ولست هنا لمناقشة نوعية الشروط والذي هو باب مفتوح على مصراعيه ولا ينتهي. ولكني أريد أن أنظر إلى الزواج من زاوية أخرى مختلفة، وأشارككم أيضا بعضا من التساؤلات.

في البداية تلك الشروط لم نكن نعهدها في الأجيال السابقة. وصحيح أن سنة الحياة التغيير والتجديد. وأن كل جيل له بصمة مختلفة عن الذي قبله خصوصا مع تأثير عالم التقنية والاتصالات الذي دخل كل غرف البيت. ولكن السؤال المهم هل الزواج شركة تجارية أم شراكة في الحياة؟!

معلوم أن للأزواج حقوقا وواجبات، وقد بينها ديننا الحنيف بوضوح، وهي مبسوطة في الكتب الفقهية والقانونية. ولكن السؤال الملح هو إذا كنا سنضع شروطا غريبة أو تعجيزية أو متشددة منذ البداية، فما الغاية من الزواج أصلا؟. وإذا كانت الثقة في البدايات ضعيفة ومهزوزة ومشكوكا فيها، فلماذا الإقدام عليه ابتداء؟. ولو افترضنا أن الزواج شركة تجارية!، هل كنا سنشارك من لا ترتاح له ونشك في أفعاله وأقواله سلفا؟. وحتى لو وضعنا شروط الدنيا والضمانات الغريبة والعجيبة، فهل كنا سننام مرتاحي البال وقريري العين؟!.

المعضلة أننا حين نبدأ حياتنا الزوجية على أساس أنها معركة مادية شرسة وقوانين وحقوق وواجبات ونحسبها كأنها مادة رياضيات ومادة قانون، فللأسف لن يكون هناك رابح لأن الجروح في هذه المعارك يبقى أثرها طويلا. وكذلك الشروط المادية الصعبة والقاسية في الزواج تدل بوضوح على الارتياب، وأن المسألة شراكة بالأجسام لا بالأرواح. وحتى لو -لا قدر الله- تم الانفصال، فلن تغني تلك الشروط شيئا لأن الآثار الجانبية بين الزوجين ستبقى بعد الطلاق، ولن تلتئم بالمال ولا بالشروط، لأن الغصة ستبقى موجودة في دواخلنا ولكننا نخفيها عن الأعين!.

وأما الزواج في الوضع الطبيعي، فليس المقصد منه الحياة المادية فقط، بل هو خليط من الحياة المعنوية والمادية والاستقرار وإنجاب الأبناء، ونسب ومصاهرات، ومودة وثقة، وعِشرة أيام وسنين، وهو مليء بالذكريات والأحداث الحلو منها والمُر. والزواج حياة ولا يمكن أن نعيشها أبدا بشكل سوي مع شروط صعبة وتعجيزية.

ومن الدلالات الواضحة على أن العلاقات المعنوية في الحياة الزوجية أعلى وأهم وأسمى من الحاجات المادية قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أبدلني الله عز وجل خيرا منها» يقصد بذلك خديجة -رضي الله عنها-.

ومن هنا، فالتشدد في الشروط والتعسف خصوصا في بداية طريق الزواج، يبين أن هذه الشراكة من أولها لن تسير سيرا هينا، وإن سارت فالحذر والشك والتربص هو ديدنها.

والأمر المستغرب أنه لم يشترط أحد من الزوجين شيئا للأبناء مع أنهم سيحتلون حيزا كبيرا من الحياة الزوجية. فلم نسمع أحدا يشترط أن يكون تسجيل الأبناء في أفضل مدارس على مستوى المملكة، أو أن يكملوا جميعهم التعليم الجامعي أو أن يكون السكن المستقل بأسماء الأبناء جميعا!. كل ما يفكر فيه الزوجان هو (أنا) وشروطي ومنفعتي. والذي لا يفهمه المقدمون على الزواج أن التضحية في بعض الجوانب أمر لا مفر منه (مهما كانت قوة شخصية الطرفين) حتى تسير المركب بأمان!.

وخلاصة القول أن الشروط المادية والحقوقية لن تجعل الزوجين مرتاحين مع بعضهم البعض ولو ملكوا ما في الأرض جميعا!، وما قصة الملياردير جيف بيزوس (صاحب شركة أمازون) وطليقته منا ببعيد. والسبب وراء ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد قال عن الزواج: «وجعل بينكُم مودة ورحمة» وهاتان الخصلتان عزيزتان ولا تُشتريان بالمال ولا بالشروط، ولا يضمنهما حتى البنك الدولي!.