د. نورة عبدالله الهديب

وبحكم مساحة بلادنا وتباعد بعض المدن والقرى عن بعضها، قد كان للتعليم دور في محاولة ربطها عن طريق حركة النقل الخارجي. وبالرغم من صعوبتها على البعض إلا أن السعي لطلب الرزق ونشر العلم عند بعض المعلمين كان دافعا لهم لخوض تجربة الاغتراب. والآن قد بدأت رحلة الاغتراب مُجددا، لتستعد بعض المُعلمات للذهاب إلى تلك البقعة البعيدة. مستودعات أطفالهن وأحبابهن الحافظ الكريم، لينشرن علمهن مُحتسبات الأجر لله تعالى.

الاغتراب صعب والقدرة على التكيف أصعب، فالبعض يقاوم ألم الغربة وقساوتها ليعين نفسه وأهله على مشقة الحياة. فتهيئة ظروف المكان في بقعة بعيدة ليس بالأمر الهين على البعض من مسكن ومواصلات وشوق وحنين، ولكن نجد بعض المعلمات قد قهرن الظروف واجتهدن في التكيف ليكن رمزا للعطاء.

شخصيا، سأحاول تخفيف ألم الغربة على المعلم لأقول له؛ بالرغم من ظروف حياة الاغتراب ومعاناة ظروفها إلا أنك بمثابة حلقة الوصل المتينة التي استطاعت أن تقهر الظروف وتسخرها للمصلحة العامة. فاختلاف المناطق بين المدن والقرى سيساعد المجتمع على الانفتاح عن طريق المشاركة المعرفية من خلالك. فأنت رسالة مُفعمة بالعطاء والعلم لذلك الطالب الذي قد وجد فيك بعض الذي لم يجده في بيئته. فبعلمك وثقافتك الفريدة ستثري معرفة الطفل وستحتوي فضوله، ولربما تكون قدوة صالحة ومثالا يُحتذى به مستقبلا.

فاختلاف الثقافات في مجتمعنا بمثابة كنوز معرفية، وبعطائك سوف تبادلها ذلك الطفل المتلهف للمعرفة. فأنت قادر وبمهارة أن تساهم لتحقيق هدف من أهداف التعليم من خلال حركة النقل التي تسعى إلى دمج الثقافات ونشر المعارف والعلوم من خلال خبرتك المختلفة. فسد فجوة النقص في بعض المناطق من خلال حركة النقل ستكون إيجابياتها مستقبلية وستكون مؤثرا فيها. وكذلك، فالغربة قد تُفجر في المعلم روح الفضول المعرفي ليكسب خبرة معرفية ليتشارك فيها من يحتاج إليها مستقبلا.

لذلك، أيها القائد والمسؤول حافظ على عطاء المعلم المغترب باحتوائه وتشجيعه في البذل. فالتحفيز وروح التعاون والمشاركة من أخلاقنا التي تعلمناها لنُعلّمها. فمراعاة ظروف الاغتراب من الأمور الضرورية التي على القائد الاهتمام بها، ليعطي المعلم مساحة واسعة في العطاء المعرفي. فإن الكنز المعرفي في رحلة الاغتراب سيظهر بأشكال متعددة عندما تتوفر البيئة الحاضنة. فبمراعاة الظروف والمرونة في التعامل سيكون العطاء مُثمرا ليكون في مصلحة الطفل أولا والمجتمع ثانيا. ففي نهاية الرحلة، لن تكون هناك إلا الذكريات الجميلة والمعلومات والتجارب القيّمة. فمنظومة التعليم تسمو بِسمو روح المشاركة والعطاء ونشر المعرفة العلمية والأدبية من خلال حلقة الوصل (المعلم).