لم يكن ذو بصيرة بحاجة إلى تبين أن معظم الأكاذيب التي يتم نشرها على المواقع والصحف الإلكترونية هي من مصدرين في الدول التي تطمع في التمدد والنفوذ الإقليمي في المنطقة هما إسرائيل وإيران؛ يؤكد ذلك ما كشفت عنه نيويورك تايمز الأمريكية التي بينت كيف تقوم مجموعات موالية للنظام الإيراني بفبركة المقالات والقصص الإخبارية ونشرها على مواقع الإنترنت المختلفة، وإرسالها إلى المئات من الأشخاص حتى يصعب بعد ذلك تتبع مصادر النص المفبرك والوصول إلى المواقع الأصلية التي قامت بعملية التزييف بداية، وهي في جميع الأحوال المجموعات الموالية لنظام ولاية الفقيه أو مؤسسات النظام الإعلامية، حيث قالت نيويورك تايمز في تقرير نشرته مؤخرا إن مجموعات إيرانية وأخرى موالية تنشئ مواقع مشابهة في عنوانها الإلكتروني لمواقع ذات مصداقية مثل موقع جامعة هارفرد لنشر قصص وتقارير إخبارية وهمية لمهاجمة أعداء إيران وإلصاق التهم بهم، معتمدة على أن كثيرا من المؤسسات الإخبارية المعروفة سوف تلتقط هذه الأخبار وتبثها لسبب أو لآخر أقلها السبق الصحفي أو أن يوافق الخبر هوى عند بعض الصحفيين. وفي نفس المجال أجرت مجموعة سيتزن لاب البحثية التابعة لجامعة تورنتو الأمريكية تحقيقا حيال نشاط المجموعات الإيرانية في نشر أخبار وهمية كاذبة، وقالت إحدى الباحثات المشاركات في التحقيق واسمها (غابريال ليم): إن تلك المجموعات تقوم بمسح القصص والمقالات الوهمية فور أن تلتقطها وتتناقلها المواقع الأخرى، وهذا يجعل من الصعب بالنسبة للمستخدمين العاديين كشف أمرها، وأضافت أيضا، إن المجموعات الإيرانية التي تقف خلف ذلك ما زالت تعمل منذ عام 2016 على أقل تقدير، وتابعت أنهم نشروا قصصا كاذبة على مواقع إخبارية وهمية ثم قاموا بتضخيمها ببث وقائع ومعلومات سلبية عن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة ليس ذلك فحسب، بل قاموا بخلق شخصيات وهمية وظيفتها ودورها التواصل مع الصحفيين والنقاد وإقناعهم بنشر تلك المقالات الوهمية في المواقع والمؤسسات الإعلامية المعروفة، وحذرت سيتزن لاب في التقرير من النشاط المكثف للمجموعات التابعة للنظام الإيراني وطبيعة المواد التي تنتجها والتي شبهها التقرير بسرب لا نهائي من ذبابة مايو وليس مجرد الحشرات القصيرة العمر التي تتغذى بالصيف فقط في إشارة إلى مدى غزارة إنتاج هذه المجموعات، واستشهد التقرير بقيام موقعي فيسبوك وتويتر بحذف مئات الحسابات في شهر أغسطس الماضي لارتباطها بوسائل إعلام إيرانية رسمية، والتي كانت مقالاتها وتعليقاتها تتبنى مواقف السلطة الرسمية في طهران وفي ذلك يقول (راز زعت) -وهو خبير بالشؤون الإيرانية-: إن طهران لجأت إلى هجمات القرصنة الإلكترونية وحملات التأثير الإلكتروني بسبب ضعفها العسكري، ونظرا لكون هذه المواقع صعبة التتبع فهي تسمح لطهران بالاحتفاظ بهالة من الغموض الذي تحتاجه لتفادي الخوض في معارك علنية مع معارضيها، وقد كشف باحثون آخرون أيضا أن المجموعات الإيرانية تستخدم للاحتيال تقنية معروفة بإضافة حرف أو اثنين للاسم الأصلي لأحد المواقع الشهيرة لخداع المستخدمين، وضربوا على ذلك أمثلة كثيرة منها المقال الذي نشر عام 1417 بشأن بريكست على موقع مزيف يحمل اسم صحيفة (إندبندت) البريطانية، وعند محاولة العودة لاحقا إلى المقال يجد القراء أنفسهم أمام موقع الجريدة الأصلي مع اختفاء المقال نفسه، حيث قام كاتب المقال الوهمي بإزالته دون تغيير الرابط ليبدو أنه نشر على الموقع الرسمي للصحيفة.. على أية حال محاولات الفبركة والتزوير تحمل في طياتها علامات كذبها وتزويرها.. يبقى فقط أن نتثبت ولا نتعجل التصديق والنشر... أليس حبل الكذب قصيرا؟.