فهد سعدون الخالدي

من صفات القادة والزعماء استشراف المستقبل والمبادرة إلى القرارات الضرورية في الوقت المناسب، بل واستباق الأحداث بمثل هذه القرارات التي ربما لا تكون واضحة للناس في وقتها ثم يتبين فيما بعد كم هي كانت هامة بل ومصيرية أيضًا، ومنها حرص الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- على توطين البادية وتشجيع البدو الرحل على الإقامة فيها وإعمارها في وقت مبكر من القرن الماضي، حيث كان من نتائج ذلك استتباب الأمن أولاً ثم تيسير تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية وغيرها، مما حول الهجر إلى قرى وبلدات بل ومدن أيضًا، ولعل مدينة عنك مثال من عشرات الأمثلة إن لم تكن المئات على التجمعات السكانية التي تحولت إلى مدن عامرة -والحمد لله-. وإذا كان تعداد فوائد إقامة المواطنين في مثل هذه الأماكن ليس سهلاً إلا أن التحول بالأعمال الإنسانية وأعمال الخير من أعمال فردية إلى عمل مؤسسي منظم هو أحد هذه الفوائد، وذلك من خلال الجمعيات الخيرية التي بدأت بتقديم المساعدات للفئات المحتاجة وتنظيم هذا العمل بشكل مؤسسي وهي جمعيات استجابت لمتطلبات المرحلة مؤكدة حرصها على التطوير والتحول التنموي ليس اسمياً فقط، بل هناك سعي جاد وإن كان تدريجيًا للتحول للتنمية الاجتماعية بديلاً للمساعدات المباشرة، ولا شك أن الفرق جوهري بين هذين النوعين حيث يتدرج عمل الجمعيات من تقديم المساعدات العينية والنقدية المباشرة، إلى السعي للتحول بالأسر المحتاجة لتكون أسراً يعمل أفرادها ويكسبون معيشتهم من خلال الاعتماد على الذات مما يحقق الكرامة ويبعد عنهم التواكل والكسل والاعتماد على الآخرين، مع إدراك أن ذلك لا يتم بين يوم وليلة ولكنه يحتاج إلى وقت وجهد لتغيير المفاهيم أولاً ثم اتخاذ الإجراءات العملية التي تحقق هذه الغاية.

وتقدم جمعية عنك الخيرية للخدمات الاجتماعية أنموذجاً لهذا التحول، فهي ما زالت تقدم الخدمات المباشرة في كثير من المجالات سواء من حيث المساعدات التي تقدم للأسر المحتاجة من كبار السن والمرضى والمطلقات والأرامل والأيتام، كما تشارك في أنشطة التنمية الاجتماعية من خلال إحياء المناسبات الدينية والوطنية التي تساهم في توثيق الروابط الاجتماعية، وكغيرها من الجمعيات فإنها تنتهز فرصة حلول شهر رمضان لتضاعف جهودها سواء من حيث تقديم الخدمات أو توظيف المشاعر الإيمانية في الشهر الكريم لتوفير الموارد اللازمة لاستدامة أعمالها الخيرية. ولعل استعراضًا سريعًا لبعض أعمال الجمعية خلال الشهر الكريم يوضح جهودها العديدة، ولا يعني أن أعمالها تقتصر على هذا الشهر بل تمتد طوال العام، فبالإضافة إلى البرامج التقليدية التي تتشابه مع ما تقوم به الجمعيات الأخرى فإن هناك بعض الملامح التنموية لعدد من المشاريع التي من المؤكد أن تزداد نوعاً وكماً في المرحلة القادمة، ومنها السعي للاستدامة المالية من خلال الأوقاف أو إقامة صالة المناسبات وهو المشروع الذي لقي دعم صاحب السمو أمير المنطقة الشرقية، ومن التحولات التنموية الملموسة أيضًا العمل على تدريب أبناء الأسر المستفيدة وتوفير فرص العمل لهم لدى المؤسسات والشركات ليعتمدوا على أنفسهم ويعيلوا أسرهم، وكذلك البرامج التدريبية للطلاب والطالبات لمساعدتهم على اجتياز اختبارات القدرات والتحصيلي واكتساب مهارات الحاسب، كما يسجل للجمعية الحرص على توثيق الروابط بين أفراد المجتمع من خلال ديوانيات رجال الأعمال والمشايخ، ونشر الوعي من خلال المحاضرات والدورات والمشاركة في المعارض واللقاءات التنموية وتنظيمها، وكذلك البرامج التي تعزز الانتماء الوطني لدى أبناء المجتمع كبرنامج سفرة شهداء الواجب من رجال الأمن في رمضان وسفرة الملك عبدالعزيز وأبنائه البررة وهدايا الوطني، والتقرير السنوي للجمعية أقدر على تقديم الصورة الأوفى لأنشطة الجمعية التي استعرضنا بعضاً منها، إلا أن المؤكد أنها علامة فارقة وتسير على طريق التنمية المجتمعية المنشودة -بإذن الله-.