أنيسة الشريف مكي

أسر كثيرة أطفالها يعيشون اليتم رغم وجود الآباء والأمهات بينهم لا حول ولا قوة إلاّ بالله، آباء للأسف مع وقف التنفيذ أقصد مع وقف التوجيه والرعاية والتربية والتهذيب.

عمل ثم راحة، ثم عمل، ثم نوم وتعاد الكرة مرة أخرى وتمر الأيام والشهور وينقضي العمر، اليوم كالأمس والأمس كسابقه وعقرب الساعة يدور ويدور وروتين الحياة لا يتغير والآباء في فلكهم يسبحون.

قد يكون الهدف نبيلاً توفير حياة أفضل، وقد تكون الظروف الاقتصادية تحكم، لكن ليس على حساب تربيتهم الأبناء الصالحة وتهذيبهم، يقول الرب جلّ وعلا «وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، لا نسألك رزقا، نحن نرزقك والعاقبة للتقوى» وفي الحديث «لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع».

نحن (الأمة الوسط) التي ذكرها الله في القرآن الكريم وحمّلها مسؤولية إقامة شرع الله ومنهاجه نبتعد عن رسالتنا وننشغل بأمور الدنيا عن تربية من جعلهم الله أمانة في أعناقنا لتكوين الأسر والمجتمعات المسلمة.

كلنا يعرف أن دور الآباء والأمهات في حياة أبنائهم هاما وفاعلاً جداً لبناء شخصيات سليمة قوية متزنة تعرف ما لها وما عليها، ونعرف أنهم أعمدة وأسس مهمة لابد من وجودها في حياة الأبناء لنموهم جسدياً ونفسياً وسلوكياً وجعلهم أعضاء نافعين في المجتمع وببعدهم عنهم يتيتمون مع وجودهم على قيد الحياة. «حياة اليتيم الصوري أسوأ حياة سامح الله الآباء».

حال التيتم الصوري مؤلم يحرك المشاعر وتحزن له القلوب.. من المؤسف أن يكون الآباء أحياء لكنهم بمثابة الموتى ليس لهم أي أثر في حياة أبنائهم، والأدهى من يقضون نهارهم في العمل ولياليهم بالسهر. وإن سألت أحدهم أجاب كل شيء متوفر لديهم فماذا يريدون أكثر؟ الجواب «إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم».

الأبناء يريدون الأمان والحب. الفراغ العاطفي الذي يشعر به فالقدوة يؤثر سلباً على واقع حياتهم ويدمرهم، فيتمردون على آبائهم ومجتمعهم وتحدث الفجوة وتتسع الهوة ويكرهون آباءهم وأنفسهم ومجتمعهم، ويبحثون عن منافذ تسد ثغرات الفراغ وتعوض النقص «والله يستر».

عندما يبتعد الوالدان تضيق مساحة التفاهم وتتضاءل فرص التعاطف واحترام المشاعر وتقدير الأفكار وتقييمها فينعدم الإحساس الوجداني وتتعطل لغة القلوب والعقول، لا إحساس ولا شعور، ولا تفكير، دمى تتحرك، أو إنسان آلي يقوم بأي فعل دون إرادة أو إدراك أو تفكير في العواقب.

«عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال: يا أبت إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً وأضعتني وليداً، فأضعتك شيخاً.

ومنهم الأشقاء المغتربون الذين يفنون عمرهم في الغربة، فكلما زاد الكسب ازداد البعد، والتربية بالمراسلة ظلم. وأمثال هؤلاء كثيرون وإن اختلفت الأعمال والمهام.

«إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفَظَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.»