د. فالح العجمي

هناك بعض الظواهر الغريبة التي تشبه المصادفات، لكنها تكون غريبة في اتفاقها مع قرائن تصورات أو مقدمات تسبقها أو تصاحبها. ومثل هذه الظواهر يعرفها عامة الناس، ولا يفكرون في كيفية حدوثها، أو يربطونها بإلهام أو قضايا ميتافيزيقية. ومنها على سبيل المثال ما يتصادف وقوعه من أحداث أو رؤية مشهد أو أحد المعارف بعد أن يكون المرء قد فكّر فيه قبل هذه المصادفة بوقت قصير جدا، أو حتى في الوقت نفسه الذي يفكر فيه، فيجد المرء أمامه، دون سابق معرفة أو تنسيق. وقد تجري هذه المصادفات جميعها في الواقع، أو تكون قرائن الحدث قد جرت في حلم أثناء النوم، ثم يفاجأ بتوافق الحلم مع الواقع.

وقد درس بعض العلماء والفلاسفة هذه القضية ضمن منظومة الظواهر المتعددة العلاقات بين أنظمة الفيزياء وأمور الحدس والمشاعر غير القطعية في معرفة العلوم بها، وتعددت طرق دراساتهم لها بين من كان يقنن لها بقواعد شبه متماسكة، بأن يربطها بإيحاءات تنتج عن توافق موجات الطاقة التي تصدر عن الشخص الآخر أو عن حدوث الوقائع، ليستشعر الآخر بذلك، فيما أصبح يطلق عليه المصطلح الفرنسي deja vu «رأيت ذلك من قبل». وقد تداخلت في كثير من مقاربات تناولها مع ما صار يُعرف بقضايا «التخاطر عن بُعد» «دون وجود أجهزة أو وسائل اتصال بين الطرفين»؛ وهي القضية التي استغلها بعض الانتهازيين قديما لترويج فكرة كون ذلك الشخص الذي اتصف بقدرة في هذا الشأن، شخصا خارقا.

الجدير بالذكر أن بعض الدراسات الحديثة بهذا الخصوص قد تناولت الموضوع بطريقة أكثر براغماتية، حيث تشير كثير من تلك الدراسات المتعلقة بما أصبح يُطلق عليه «قانون الجذب» Law of Attraction، إلى أن أفكار المرء الحالية هي نتيجة تفكيره الملح في المستقبل، وأن ما يتوافق مع تلك الأفكار من أحداث لاحقة ما هو إلا نتيجة لتركيز التفكير على تلك الموضوعات، أو تحديد الأشخاص الذين توافقت موجات الطاقة مع مستشعرات الطاقة عند الشخص المتلقي لتلك الموجات. ويضيف بعضهم في نصائح للآخرين: إذا كنت تريد تغيير أوضاعك التي تعيشها، فعليك تغيير طريقة تفكيرك، لتحدث لك نتائج تختلف عن النتائج المرتبطة بطريقة تفكيرك الحالية.

وهنا يتدخل كثير من المنظرين والفلاسفة، بأن الإيمان بالأفكار الذاتية هو المدخل الرئيس لتحسين ظروف الحياة للفرد والمجتمعات بصورة عامة، التي تؤمن بقدرة الأفكار والإيمان الصادق بها على تحقيق المعجزات. فبقدر ما يكون الفرد أو المجتمع متفائلا بحدوث أمور إيجابية ينعكس ذلك التفاؤل على مسيرة حياة الأفراد والبيئات التي يعيشون فيها، وبقدر ما يكون المرء أو بيئته تشع حالات التشاؤم، فإن قدرا كبيرا من الإحباط والعجز عن تحقيق الأهداف يحيط بحياة الناس، ويصبغها بعجز عن الوصول إلى إنجاز أبسط الأشياء. ومع تضخم حالات العجز تبدأ تلك البيئات في نسبة تلك المعوقات إلى ظروف خارجية وأطراف تتدخل لوضع المؤامرات قيد التنفيذ، مع أن الأمور في كثير من الأوضاع أبسط من ذلك بكثير، ولا تحتاج إلا إلى التفرغ للعمل، والإيمان بالقدرات الذاتية ونجاحها بالمثابرة والصبر، وعدم التسرع في الأحكام.