خليل الفزيع

من فضل الله على هذه البلاد أن يسر لأبنائها الأوفياء الإسهام في العمل الخيري، فنشأت في طول البلاد وعرضها هيئات وجمعيات حكومية وأهلية، قامت وتقوم بدورها الإيجابي في خدمة أفراد المجتمع، وفي مجالات عديدة تغطي متطلبات الحياة، وتيسر سبل العيش بكرامة لجميع الفئات، وبعض هذه الجمعيات عامة وبعضها متخصص في مجال محدد من العمل الخيري، وفي المنطقة الشرقية كما في بقية مناطق المملكة يزدهر العمل الخيري على أيدي نخبة من المتطوعين الذين نذروا أنفسهم لخدمة المجتمع، من خلال تخصصاتهم التي يسرها الله لهم، والذين لا يملك المرء إلا أن يبدي إعجابه وتقديره لجهودهم المتميزة، وهم يعتبرون قدوة؛ لأنهم يرون العمل.. والعمل المثمر وحده هو المترجم الحقيقي للانتماء الوطني، والحرص على مصلحة الوطن والمواطن، باذلين في سبيل ذلك من وقتهم وجهدهم وأموالهم الشيء الكثير، بينما ينشغل غيرهم بالكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر في مسيرة النهضة، من أولئك المدمنين لشهوة الكلام والتعالم الفج، وادعاء المعرفة، ولله در القائل:

وقل لمن يدعي في العلم فلسفة

حفظت شيئا وغابت عنك أشياء

والفرق شاسع بين من يكتفي بالكلام ومن يعمل بصمت وإخلاص محتسبا عمله لوجه الله تعالى، دون جعجعة، أو سعي وراء الشهرة.

قبل سنوات نشأت في الدمام جمعية «كنف» المتخصصة بتوفير العلاح والرعاية الصحية عن طريق البطاقة التأمينية لحفظ كرامة المحتاج والحصول على الخدمة الصحية المطلوبة، بين الأسر التي فقدت معيلها كالأيتام والأرامل وأسر الشهداء، وهذا العمل إضافة جادة مثمرة للعمل الخيري في بلادنا، وهي التجربة التي تقف وراءها جهود مشكورة من أعضائها.. جديرة بأن تعمم في جميع مناطق ومحافظات المملكة، فهي كتجربة رائدة ومبادرة ناجحة تستحق الانتشار على أوسع نطاق، والعلاقة بين هذه الجمعية والفئات المستفيدة منها تفتح بابا جديدا وواسعا للعمل الخيري المتخصص، تحقيقا للتكامل مع بقية الجمعيات العاملة في مجالات أخرى، ولا شك أن فئات عديدة من المجتمع هي بأمس الحاجة إليها.

هنا لا بد من الإشارة إلى تقصير الإعلام في حق هذه الجمعية، كذلك هو الحال بالنسبة لجمعيات كثيرة تقدم خدمات جليلة دون أن يعرف المواطنون عنها شيئا، بسبب الغياب الإعلامي عنها، مع أن اهتمام الإعلام بها يتيح للراغبين التعاون معها أو الانضمام إليها، لذلك فإن على الإعلام واجبه الوطني والإنساني، بتسليط الضوء على نشاطات هذه الجمعيات الخيرية التي لا بد أن يكون لها نصيبها من اهتمامات الإعلام الموزعة بين أمور قد لا يكون بعضها بمستوى الأهمية نفسها التي تتمتع بها هذه الجمعيات.

و«كنف» وهي تقدم خدماتها لآلاف المستحقين، إنما تقدم نموذجا مشرفا للخدمة الاجتماعية، خاصة وهي تعتمد على جهدها الخاص أي جهد القائمين عليها، وهم في النهاية أفراد لديهم مسؤولياتهم الأخرى، ومع ذلك لم يبخلوا على هذه الجمعية، حتى تتمكن من أداء مهماتها على الوجه الذي يرضيهم، وقبل ذلك يرضي الله تعالى الذي أوصى بتكافل أبناء المجتمع وتكاتف أفراده، والعمل الإنساني بشموليته ونبل أهدافه يشكل حافزا لذوي النفوس الكبيرة والمواطنة الصادقة للعمل المثمر، من أجل خدمة جميع أفراد المجتمع، ممن يمنعهم التعفف عن طلب المساعدة، لتصلهم هذه المساعدة بأسلوب يحفظ لهم كرامتهم، ويشعرهم بوقوف المجتمع معهم، فيما أصابهم به الدهر من نوائبه، وهو الذي لا يستقيم على وجه واحد، في حياة الأفراد والمجتمعات، قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وفي الحديث الصحيح (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا).