أحيانا، وفي أحاديثنا العابرة نصف بعض الأعمال بأوصاف تعني التقليل من قيمتها، ولكن هذا المعنى رمزي، وغير عميق، من ذلك قولنا لبعض الأمور بأنها طبيخ، وكأن الطبيخ غير مهم، وهذا يحصل في جُل أمور الحياة ومنها السياسة، التي غالبا ما نشير إلى الطبيخ بمعنى أنه لا سياسة. والمفارقة أنَّ كثيرا من أعمال السياسة التي تستخدم فيها الدبلوماسية، والمفاوضات، وحتى الحرب أحياناً هي بسبب المصالح، والخيرات للشعوب، بمعنى آخر من أجل المغانم، والموارد، ومنها بطبيعة الحال الطبيخ، وما يشبع البطون. سأحدثكم بطريقتي الخاصة هذه المرة عن السياسة والطبيخ، وعن الطبيخ وأشياء أخرى في الحياة، التي هي مزيج من كل شيء. هي في الحقيقة صور من البعيد والقريب من الذاكرة، ومما يحدث بين ظهرانينا كل يوم.
أول الطبيخ رقص، هكذا كان يقول مدرسنا الفلسطيني النحيل يعلق على الواجب أو يصف مستوى حفظ المقطوعات الشعرية وقبلها الآيات القرآنية التي يتوجب حفظها عن ظهر غيب بكلمة واحدة، هي: طبيخ. في الحالات التي يكون له مزاج في أن يقلب تقصير أحد التلاميذ إلى مسرحية هزلية تنتهي باستخدام الخيزرانة الرقيقة والمغطاة بطبقة من اللصاق الأصفر، كان يتفنن في إظهار قدرته غير العادية في مسرحة كل شيء حتى العقاب. أبو عمر -غفر الله لنا وله- في حصة المحفوظات كان يرفع يده اليمني التي يخفيها خلف ظهرة إلى أعلى إشارة على أن من يقول القصيدة وقع في خطأ جديد، رفعة اليد كان طلاب الفصل يتفاعلون معها بطريقة شرطية حيث يرفعون أصواتهم مع كل رفعة يد برقم مبتدئين بالرقم واحد، وهكذا، إذا كثرت الأخطاء بما يعني أن الطالب ليس حافظا تقريبا، تنقلب العملية إلى مسرح من نوع آخر، كان يقف المدرس
في منتصف الفصل وهو مواجه للطلاب ويحني أعلى جسده إلى الأمام ويداه خلف ظهره، وكأنه معطٍ الجميع كل إصغاء ويسأل هدا حفظ شو؟ فيرد الجميع بصوت تلميذ واحد طبيخ! فيردد: كلمة «شو» عددا من المرات!! فيأتي صوت الطلاب من جديد: طبيخ بعدد المرات التي كررها فيها الأستاذ. وقبل أن تبدأ حملة توزيع العصي على أيدي المقصرين يحدث أن يأتي صوت مقصر آخر باكيا متحشرجا قبل أن يزف، كما يقول الأستاذ أبو عمر.
ثاني الطبيخ تلفزيون، في حالة أخرى رأيت الطبيخ أكثر اقترانا بالسياسة في برنامج بثته لسنوات إحدى الفضائيات العربية يتصل المشاهدون لطلبات طبيخ ويشكرون الشيف على ما يقدمه، ومع أن هذا الفعل يتكرر بشكل يكاد يكون مملا، إلا أنه حقيقة ما يحدث في تلك الفضائية وحدوثه أكد لي أن هناك علاقة بين السياسة والطبيخ حيث كان ينبه على أن بعض الوصفات «صيامي» كما يقول، يعني لمن يصومون من المواطنين الأقباط. شدني أيضاً في هذا الأمر اتصالات الصغار في السن بالشيف، ويكررون كلمة احنا بنحبك يا شيف، احنا بنحب مصر. وهذا وجدت فيه مسحة من التنشئة على حب الناس، وحب الوطن، وحب أشياء أخرى.
نوع ثالث من الطبيخ والسياسية وجدته منتشراً عبر وسائط التواصل الاجتماعي وخاصة «يوتيوب» حيث يتحدث البعض بأحاديث تشبه السياسة ولكنها في الحقيقة طبيخ، وطبيخ بدون طعم أيضاً. تخيلوا رجلا يقول إنه صحفي وأنه محسوب على تيار سياسي معين، وعلى جماعة سياسية محظورة. يتنبأ بسقوط دولة لمجرد أن مواطنا سافر من بلد إلى آخر. أو أن مواطنا من رعايا تلك الدولة قرر تغيير مقر إقامته من لندن إلى الرياض أو جدة مثلاً.
الإعلام السريع وقلة المصداقية وغياب المهنية، وهذه الوسائط الانتقالية العابرة لكل شيء خلطت الحابل بالنابل، ولم يعد أكثر الناس يميز بين السياسة وبين الطبيخ والله المستعان.
أول الطبيخ رقص، هكذا كان يقول مدرسنا الفلسطيني النحيل يعلق على الواجب أو يصف مستوى حفظ المقطوعات الشعرية وقبلها الآيات القرآنية التي يتوجب حفظها عن ظهر غيب بكلمة واحدة، هي: طبيخ. في الحالات التي يكون له مزاج في أن يقلب تقصير أحد التلاميذ إلى مسرحية هزلية تنتهي باستخدام الخيزرانة الرقيقة والمغطاة بطبقة من اللصاق الأصفر، كان يتفنن في إظهار قدرته غير العادية في مسرحة كل شيء حتى العقاب. أبو عمر -غفر الله لنا وله- في حصة المحفوظات كان يرفع يده اليمني التي يخفيها خلف ظهرة إلى أعلى إشارة على أن من يقول القصيدة وقع في خطأ جديد، رفعة اليد كان طلاب الفصل يتفاعلون معها بطريقة شرطية حيث يرفعون أصواتهم مع كل رفعة يد برقم مبتدئين بالرقم واحد، وهكذا، إذا كثرت الأخطاء بما يعني أن الطالب ليس حافظا تقريبا، تنقلب العملية إلى مسرح من نوع آخر، كان يقف المدرس
في منتصف الفصل وهو مواجه للطلاب ويحني أعلى جسده إلى الأمام ويداه خلف ظهره، وكأنه معطٍ الجميع كل إصغاء ويسأل هدا حفظ شو؟ فيرد الجميع بصوت تلميذ واحد طبيخ! فيردد: كلمة «شو» عددا من المرات!! فيأتي صوت الطلاب من جديد: طبيخ بعدد المرات التي كررها فيها الأستاذ. وقبل أن تبدأ حملة توزيع العصي على أيدي المقصرين يحدث أن يأتي صوت مقصر آخر باكيا متحشرجا قبل أن يزف، كما يقول الأستاذ أبو عمر.
ثاني الطبيخ تلفزيون، في حالة أخرى رأيت الطبيخ أكثر اقترانا بالسياسة في برنامج بثته لسنوات إحدى الفضائيات العربية يتصل المشاهدون لطلبات طبيخ ويشكرون الشيف على ما يقدمه، ومع أن هذا الفعل يتكرر بشكل يكاد يكون مملا، إلا أنه حقيقة ما يحدث في تلك الفضائية وحدوثه أكد لي أن هناك علاقة بين السياسة والطبيخ حيث كان ينبه على أن بعض الوصفات «صيامي» كما يقول، يعني لمن يصومون من المواطنين الأقباط. شدني أيضاً في هذا الأمر اتصالات الصغار في السن بالشيف، ويكررون كلمة احنا بنحبك يا شيف، احنا بنحب مصر. وهذا وجدت فيه مسحة من التنشئة على حب الناس، وحب الوطن، وحب أشياء أخرى.
نوع ثالث من الطبيخ والسياسية وجدته منتشراً عبر وسائط التواصل الاجتماعي وخاصة «يوتيوب» حيث يتحدث البعض بأحاديث تشبه السياسة ولكنها في الحقيقة طبيخ، وطبيخ بدون طعم أيضاً. تخيلوا رجلا يقول إنه صحفي وأنه محسوب على تيار سياسي معين، وعلى جماعة سياسية محظورة. يتنبأ بسقوط دولة لمجرد أن مواطنا سافر من بلد إلى آخر. أو أن مواطنا من رعايا تلك الدولة قرر تغيير مقر إقامته من لندن إلى الرياض أو جدة مثلاً.
الإعلام السريع وقلة المصداقية وغياب المهنية، وهذه الوسائط الانتقالية العابرة لكل شيء خلطت الحابل بالنابل، ولم يعد أكثر الناس يميز بين السياسة وبين الطبيخ والله المستعان.