محمد العلي

إذا كانت هذه المسماة سوسيولوجيا الأدب أو اجتماعية الأدب تهدف إلى (الكشف النقدي عن السلوك الاجتماعي من هوية، ومكانة، وطرق عيش، وطموحات، وآفاق..) فإن المتنبي هو فارس ما أسميه: (الواقعية الاجتماعية) فهو قد أدرك بحرقة هوة التخلف التي كان مجتمعه يتهاوى فيها فأعرب بالجمر، لا باللغة وحسب.

كان يرى مجتمعه مستكينا تحت طغيان الأعداء وقهرهم فيقول:

وإنما الناس بالملوك ولا

يفلح عرب ملوكهم عجم

ويعرض للخلفاء العباسيين الذين أصبحوا مجرد صور جوفاء يحركها الأتراك، واصفا لهم بالأبواق والطبول:

إذا كان بعض الناس سيفا لدولة

ففى الناس بوقات لها وطبول

كان يجلد نفسه، ويجلد الأمة كلها، لأنها أحوجته إلى مدح كافور:

وما كان شعري مدحا له

ولكنه كان هجو الورى

ولم يطلق القدماء عليه لقب الفيلسوف عن طريق المبالغة، حين قالوا (أبو تمام والمتنبي حكيمان، وإنما الشاعر البحتري) ذلك لأن الصفات التى ألمح إليها تدل على رهافة استبطانه للإنسان فى كل زمان ومكان:

الظلم من شيم النفوس فإن تجد

ذا عفة فلعلة لا يظلم

ذلك لأن العلم الحديث أثبت أن الإنسان عدواني بطبعه، غير أن التربية والتطور ونمو المعرفة والحاجة...، مجتمعة، تهذب تلك العدوانية بدرجات متفاوتة. ولا يبعد عن هذا قوله:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

وصدق ما يعتاده من توهم

لقد قال فيه شاعر معاصر لا أذكر اسمه:

طلبت بالشعر دون الشعر منزلة

الحمد لله إذ لم تبلغ الطلبا

إذن لأثكلت أم الشعر واحدها

وأظن أن هذا الشاعر، مع احترامي له، نسي قول المتنبي:

ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه

أني بما أنا باك منه محسود

لقد كوته الأيام، وكواها. وأختم هذا المدى الذي لم أصل إلى منتصفه بقول الشاعر بشارة الخوري:

يا ملبس الحكمة الغراء روعتها

حتى هتفنا أوحيا قلت أم أدبا؟