د. فالح العجمي

كنت قد طلبت من طلاب كلية الترجمة الكتابة عن جودة الحياة (العوامل التي يظنونها تؤدي إلى مستوى أعلى من جودة الحياة، ومدى توفرها في البيئة من حولهم، وبالطبع كنت أقصد بالبيئة البلد أو المدينة أو القرية أو حتى مجتمع الأصدقاء وربما البيت والأسرة). واكتشفت من خلال ما كتبوه، أن تأثير الصحوة على أفكار الجيل الذي عاش خلال فترة سيطرتها كان كبيرا، حيث امتلأت كتاباتهم بالطريقة الوعظية، التي عودتهم عليها تلك الفترة الموحشة والمقفرة من كل جوانب الإبداع. ولم يتعرضوا في طرحهم لما يظنونه عوامل تحقق لهم جودة مرتفعة في مستوى المعيشة، مثلما أغفلوا الحديث عن جوانب النقص في عوامل الجودة المختلفة، وأظن ذلك يعود إلى اعتياد التلاميذ في المدارس والطلاب في الجامعات على الحفظ، والتعريفات وتعداد العناصر، وليس الفهم والتحليلات وإبراز الآراء المتباينة.

وسألتهم عن برنامج جودة الحياة، الذي صممته بعض الجهات الرسمية ضمن خطة التحول 2020، فلم أجد لديهم إلماما بجوانب ذلك البرنامج، الذي يفترض أن يكون موجها إلى فئات الشباب، وخاصة من هم على مقاعد الجامعة. فهم من سيتولى صناعة أهداف الخطة والرؤية، ويسهمون في تنفيذها. إذ إن الحياة إن لم تكن موضوعة لها أهداف جليلة، فإنها ستكون سطحية وباهتة، ولن يحقق الشخص خلالها ما يبتغيه، كما سيخلو من الطموح ودوافع الإبداع.

وأوضحت لهم بعد الاطلاع على أوراقهم، أنه من أجل تحقيق حياة مبهجة ورفع مستوى جودة الحياة توجد من الناحية النظرية استراتيجيتان رئيستان، يمكن تطبيقهما للتأثير في عوامل الجودة أو إيجادها إن لم تكن موجودة. الأولى تكمن في تأمل مدى تواؤم الظروف الخارجية مع أهدافنا، والثانية تتلخص في تغيير ما يعايشه المرء من الظروف الخارجية، حتى تكون أكثر تلاؤما مع أهدافنا. ومن تلك العوامل المهمة في حياة أغلب المجتمعات عنصر «الأمان»، فهو من المكونات الرئيسة للسعادة الفردية والمجتمعية، لكن السؤال الأهم هو: كيف نحقق الأمان؟ هل يتم ذلك بتكثيف الحراسات وتشييد الأسوار الحصينة؟ بالطبع هناك وسائل أكثر ذكاء في العصر الحديث من هذه الاحتياطات الشكلية اللافتة، وهنا يكمن سر الاهتمام بجودة الحياة وفق الوسائل العصرية المناسبة والفاعلة.

أما تغيير الظروف الخارجية، فليس هو دائما بالسهولة التي يفترضها مناصرو هذا المنهج من دعاة المنهج الثوري الشمولي، بل هناك بعض الأحوال الخارجية لا بد من التعامل معها، دون التفكير في تغييرها. وفي هذا السياق يذكر مؤيدو هذا الاتجاه أسطورة الملك ميداس، الذي دانت له الأرض بالسيطرة عليها، فتحققت له أيضا الهيمنة على جميع الآلهة، وقام بوضعها جميعا في حديقة قصره. ثم طلب من أولئك الأرباب أن يحققوا له أمنيته بأن يتحول كل شيء يلمسه إلى ذهب، لكي يتحقق له الثراء الكبير مع السلطة المطلقة، فتستمر بذلك هيمنته بالقوة والمال. وتحققت له تلك الرغبة، قبل أن يكتشف متأخرا عيوب هذا الجشع والاستبداد، حيث لم يعد قادرا على تناول الطعام، لأنه كلما لمس طعاما تحول إلى ذهب. بل إنه حتى لو لم يلمس الطعام أو شرب من الآنية فإنه مع بلوغ الطعام أو الشراب فمه يتحول إلى ذهب، فلا يستطيع الأكل أو الشرب، مثلما لم يستطع العودة عن هذه الرغبة حتى مات جوعا وعطشا. وفي الجزء الثاني نتحدث عن الجوانب العملية من جودة الحياة.