القدس.. يا وشم الذاكرة الأبقى
ربما تكون قضية فلسطين هي القضية الوحيدة التي يشتبك فيها الديني بالقومي بالوطني بالعرقي بالثقافي، بمعنى أنها قضية غير قابلة للجدل فيما يتصل باستقرارها في وجدان شعوب المنطقة، وثقافتها، وبالتالي فلا مزايدة على مكانتها، ولا على حبال السرة التي تربط أصحابها بها، وأقول «حبال»: لأنها لا تخص الفلسطينيين الذين يرتبطون بها بسرّة الولادة والمواطنة وحدهم، ولا تخص المسلمين الذين يرتبطون بها بسرّة الأقصى وحدهم، ولا المسيحيين الذين يرتبطون بها بسرّة كنيسة القيامة وحدهم، ولا العرب الذين يجدون في اليبوسيين امتدادا لنسبهم، ولا الكرد الذين تتفتح ذاكرتهم في مآذنها على طيف صلاح الدين. لذلك حينما انغرستْ فلسطين في وجداننا نحن العرب كانت تحمل كل هذه المعاني دفعة واحدة، ما جعل ارتباطنا بها، وارتباطها بنا غير قابل للانفكاك، إن شئناه دينا وتعبدا، وإن شئناه قومية، لذلك من المعيب، والمعيب جدا أن نجد بعد كل هذه الوشائج من يتحدث عن فلسطين كما لو كانت مجرد أرض محتلة، إذ لا يمكن أن تكون كذلك، فلسطين ذاكرة، وتاريخ، ومعقد عزة هذه الأمة، وأيقونة شرفها، فلسطين ثيمة الأمل المنتظر.إذا انكسرتْ قضية فلسطين، أو تحوّلتْ من المتن وصارتْ هامشا، أو أصبحتْ مجرد وجهة نظر، فلن تقوم قائمة بعدها للعروبة، لن يبقى هنالك ظَهر يمكن أن يحمل قيمة العروبة التي تتلبس أسماء هذه الدول التي تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم، وهذا بالفعل ما تنبّه له الأعداء، عندما خلصوا نجيًّا إلى ضرورة تفكيك وجدان هذه الأمة بذبحه وتقاسم دمه في سلسلة من القضايا، وافتعال المشاكل في أقطاره واحدا بعد آخر، حتى تذوب فيه القضية الأم تحت عرى الانصراف والنأي عنها، وحتى تبدو كما لو كانت كغيرها مجرد قضية قُطرية لا تهمّ سوى مواطنيها، وهمًا منهم بإمكانية محو ذلك الوشم الذي دُقّ في ذاكرة الأجنّة، وانغرس في الوجدان يوم كان الوجدان صافيا من المزايدات، لا يعرف عن القدس سوى أنها كل ما تبقى من ضمير هذه الأمة قبل أن يخطفها التيه، حتى لم يعد حملة لواء المقاومة يهتدون إلى الطريق إليها، ليرتدّوا على أعقابهم إلى بلدان أهلهم يمزقونها كل ممزق بدعوى البحث عن طريق القدس المفقود.