اللبنانيون وحكاية النأي «عن» النفس
لعل العنوان الأكثر تداولا في لبنان هذه الأيام هو عنوان «النأي بالنفس»، والذي يُخطئ الكثير من اللبنانيين فيه عن غير قصد كما يبدو فيقولون: «النأي عن النفس» غير أن هذا الخطأ هو أقرب للحق في نظري من العنوان الأصلي، لأن لبنان ما عاد يستطيع أن ينأى بنفسه عن قضايا المنطقة بعدما أصبحت حارة حريك هي العاصمة، وبعدما سيطر حزب الله على القرار السياسي والسيادي والعسكري فيه، ليصبح النأي عن النفس هو العنوان الأصدق لمن لا حول لهم ولا قوة، بدليل أن دعاوى النأي بالنفس هذه لم تمنع ميليشيا عصائب أهل الحق، وغيرها من الميليشيات التي تدور في الفلك الإيراني، من إزاحة الستار عن هذه المسرحية حتى قبل أن يبدأ العرض، عندما توافدتْ تباعًا إلى الجنوب اللبناني بأزيائها العسكرية في مسرحية أخرى لتقف في العرقوب ذات الأكثرية السنية، وأمام بوابة فاطمة على مشارف فلسطين بدعوى الانتصار للقدس. لماذا يظهر قيس الخزعلي برفقة عناصر حزب الله على تخوم فلسطين ويتحدث للكاميرات؟، لماذا تظهر هذه الميليشيات الممولة من إيران أمام أعين الإسرائيليين، ويسجلون الفيديوهات التي تدّعي تحرير القدس؟، هل استنفرهم القرار الأمريكي حقا بنقل السفارة إلى القدس، أم أن هنالك هدفا آخر؟. من الواضح أن هذا الاستعراض أو (العراضة) لهذه الميليشيات الطائفية على مشارف فلسطين، وهم الذين تلوثتْ أيديهم بدماء الأبرياء في العراق وسوريا، والذين قتّلوا الناس على المذهب وعلى الهوية، لم يكن أبدًا لقتال إسرائيل، ولا لنصرة الأقصى، فالذي يريد أن يقتل الوحش لا يوقظه، وإنما جاء هؤلاء لينشفوا أيديهم الملطخة بدماء الأبرياء بطهارة قضية القدس، ثم ليفتشوا لأنفسهم عن شرعية نضالية بعدما عرفهم العالم كله كعصابات دموية عاثت في الأرض فسادا، لذلك حينما يقف هؤلاء القتلة أمام حدود فلسطين، ويصرّحون بحضورهم من خلال الفيديوهات التي سجلوها هناك، فإنما يريدون أن يبعثوا برسالتين: الأولى لإسرائيل لطمأنتها بأنهم لا يريدون بها شرا، فالذي ينوي مهاجمتها لا يظهر من خلف المتاريس، والثانية: للأمة العربية والإسلامية لمحاولة الحصول على صك براءة عما اقترفوه من جرائم بحق العراقيين والسوريين بهذا الحضور المسرحي، والذي لا ينقصه إلا وجود الحوثيين.