د. طرفة عبدالرحمن

قيادة العقل الجمعي

مهما بلغت قدرة المؤسسات التربوية والتعليمية في تشكيل القيم الأخلاقية والسلوكية للأفراد، إلا أنها لا توازي قدرة الإعلام في ذلك.. فوسائل الإعلام بشقيها الرسمي وغير الرسمي، قادرة على إعادة إنتاج قيم ثقافية حديثة للأفراد حتى في المراحل العمرية الناضجة بل والمتقدمة منها.. والمشكلة لا تكمن في عمليات التغيير الذي تحدثه وسائل الإعلام في وعي الأفراد وفعلهم الاجتماعي، لأن الحضارات والثقافات لا تتقدم إلا بالعلم والوعي والضبط الاجتماعي والقانوني الذي تساهم فيه التوعية الإعلامية.. المشكلة تبرز في أن وسائل الإعلام بشكلها الجديد أصبحت تساهم في تشوه الوعي الجماهيري، وفي حالات أخرى أسبغت سمة التناقض والتطرف على سلوك الأفراد عندما يتلبسون بمبادئها، ذلك أن مصالح المؤسسات والأفراد والدول بطبيعتها مختلفة بل ومتصارعة، وتستخدم في حالات كثيرة حيلا وأساليب تضليل محبوكة لتحقيق أهدافها، وهذا بدوره انعكس على وعي وسلوك الأفراد تجاه بعضهم وعلى قضاياهم الفكرية والاجتماعية والسياسية.. بل إن الكارثة الكبرى هي وقوع الناس والمجتمعات في مأزق (تصدع الأخلاق) وهي حالة يعيش معها الفرد تناقضا عجيبا في تركيبته السلوكية والفكرية، تجعله يلبس كل تناقضاته وانتكاساته لباسا دينيا أو أخلاقيا، فهو قد يدافع عن الدين بكمية شتائم مقززة لمخالفيه، ويرى في ذلك بطولة دينية! أو يحيي من تاريخ الأموات ذكريات القادة الطغاة لتمجيدهم وإثارة الفوضى الجدلية حولهم أو بغية الإيذاء النفسي لمخالفيه، معتقدا بذلك انه يمارس بطولة سياسية أو وطنية!! لقد ساهم الإعلام في ظل ظروف أخرى إلى تسويغ لغة الكراهية والتناقض والكذب، عبر تصدر رموز متطرفة وأخرى تافهة وثالثة متمصلحة تقتات على (قيادة العقل الجمعي).. لطالما تحدث الناس عن رغبتهم في رفع سقف الحرية في وسائل الإعلام وعندما هيأت لهم الظروف ذلك، تقاتلوا في قمع حريات بعضهم أو تجادلوا وافتروا بوضاعة بينهم.. لقد استخدمت وسائل الإعلام الرسمية في بعض المجتمعات في تضليل الوعي السياسي والاجتماعي، واستخدمت وسائل التواصل الاجتماعي في نشر التشوه النفسي وتعميق التفاهة وتنامي ظاهرة الحسد الاجتماعي.. لا أعلم ما الوصفة الفكرية التي ممكن أن تصحح أو تهذب هذه الفوضى الأخلاقية.. من يراقب الوضع يشعر أن الأمور تفلت من السيطرة، وبدأ الناس يعتادون على هذه الفوضى وكأنها جزء طبيعي من الفعل الاجتماعي، على الرغم من انه ليس كذلك أبدا..