من أين جاءت الفوضى الخلاقة؟
كثيرا ما نسمع عن مصطلح الفوضى الخلاقة أو الفوضى البناءة أو التدمير البناء أو ظاهرة الفوضى الإبداعية (Creative Chaos)، وهي تعبر- هذه الأيام- عن مصطلح سياسي يقصد به تكوين حالة سياسية جديدة بعد تأسيس مرحلة من الفوضى المتعمدة، وبمعنى آخر ايصال المجتمع إلى أقصى درجات الفوضى بواسطة العنف وإراقة الدماء واشاعة الخوف، ومن ثم القيام ببنائه من جديد بهوية جديدة، ويرى البعض ان المستشار السابق لمجلس الأمن القومي الأمريكي (مايكل ليدين) أحد أهم منظري المحافظين الجدد هو أول من وضع هذا المصطلح في عام 2003م، بينما حقائق التاريخ تشير الى غير ذلك، فالشاعر والكاتب الفرنسي (ستيفان مالارميه) استخدم هذا المصطلح قبل عام 1886م حين عكس في اشعاره إيقاع إبداعي ينشد الفوضى، فخالف قواعد الشعر وقدم نصوصه النثرية المبدعة التي كسرت قيود الوزن وادخلت العالم الى عوالم الرمزية، وفي المجال السياسي ظهر المصطلح في كتابات ضابط البحرية الأمريكية المؤرخ ألفريد ثاير ماهان عام 1902م، ثم تلاه في مجال الفن عام 1911م النحات والفنان التشكيلي الاسباني (بابلو بيكاسو) أحد أشهر الفنانين في القرن العشرين، حيث قال عن مفهوم الفوضى الإبداعية: (إن العمل الفني يبدأ كعمل من أعمال التدمير الإبداعي قبل البناء)، ثم في عام 1931م ذكره التشكيلي الاسباني سلفادور دالي بقوله: (آن لنا ان نفهم الفوضى)، وهو وأحد من أبرز الفنانين في الحركة السريالية، وبالمناسبة كلمة السريالية تعني فوق الواقعية، حيث يقوم السرياليون بالتعبير عن العقل الباطن مثل الأحلام والأفكار العشوائية وعن كل شيء غريب وفوضوي ولا شعوري، ثم جاء بعد هؤلاء الاقتصادي الكلاسيكي (جوزيف شمبيتر) في عام 1942م ليشير إلى معنى (التدمير الخلاق) في أحد كتبه، ثم كتب عنها الكاتبان (ريتشارد نولان) و(ديفيد كروس) في كتابهما (التدمير الخلاق: المراحل الست لتغيير المؤسسة) ليصفا كيف تدمر (المنظمة) إبداعيا ثم يعاد بعثها من جديد لتتمكن من البقاء. ومهما يكن الأمر، فإن الشهرة في استخدام هذا المصطلح في القرن الواحد والعشرين جنتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (كونداليزا رايس) في مطلع عام 2005م، حيث يشاع أنها أدلت بحديث صحفي لجريدة الواشنطن بوست الأمريكية واعلنت فيه عن نية الولايات المتحدة بنشر الديمقراطية في العالم العربي والبدء بتشكيل مايُعرف بـ (الشرق الأوسط الجديد) وذلك عبر نشر (الفوضى الخلاقة)، بينما يتحدث المتابعون للشأن السياسي عن أن (كونداليزا رايس) لم تقل هذا قط، ولم ينشر هذا عنها في (الواشنطن بوست) على الاطلاق، وربما أن هذا التصريح المنسوب لها في هذه الجريدة كان نوعا من أنواع بالونات الاختبار التي تطلق بين الحين والآخر لجس نبض الرأي العام في المنطقة المعنية ومدى تقبلهم لهذه الفوضى الخلاقة!