التوحش الأخلاقي
لا يتقدم الفكر والوعي الإنساني في معظم المجتمعات بمثل وتيرة التقدم العلمي والتقني. فنحن نشهد ثورة تقنية هائلة اجتاحت الحياة البشرية بكل تفاصيلها، ساهمت في تسهيل ورفاهية عيشها.. في مقابل ذلك لم تحدث ثورة عالمية في الوعي والفكر الإنساني يمكن الاعتماد عليها في تهذيب نزعة الأنا، والعنف في السلوك البشري، وهما النزعتان اللتان تقف عليهما معظم معاناة البشر، خاصة في الجزء المتعلق بانتهاك الحقوق والإيذاء.. لم تصل البشرية حتى الآن إلى فكر وسلوك متقارب في الالتزام الأخلاقي الذي يكفل احترام الحقوق والتعامل بدرجة معينة من التهذيب الخلقي في العلاقات الاجتماعية والإنسانية.. نحن لا ننتظر المثالية في التعاملات الإنسانية، فالنقص والقصور صفة تلازم الطبع البشري، لكن هناك ظواهر أخلاقية متدنية ظهرت في الفعل الاجتماعي، أصبحت مع مرور الوقت غير مستنكرة.. على المستوى السياسي نجد مؤامرات وحروبا وخططا مدمرة تجتاح العالم، ليست الدول مضطرة لها!! كما أن اللغة التي يتهجم بها السياسيون على بعضهم مليئة بالكراهية والاتهامات والتخوين، فضلا عن الإعلاميين الذين استخدموا لغة أكثر رداءة وهبوطا.. أما على المستوى الاجتماعي، فلا حاجة لذكر شكل الحوار الذي يدور بين العموم، فهو يتحدث عن واقعه بكل سفور في مواقع التواصل الاجتماعي.. فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يرقى بأسلوبه وحواره في هذه المرحلة من الحضارة البشرية، فهو بالأحرى لا ينهج ذلك في أفعاله ولو تقدم به الزمن.. أيضا شوهت الماديات والسلوك الاستهلاكي المريع المدفوع بالتباهي من قبل العامة، والطمع من كبار الرأسماليين في العالم، جميعها شوهت أخلاقيات الناس ورفعت نسبة التعاسة والنقمة والحسد الاجتماعي بين الطبقات، وأوردت معظم الأفراد دائرة «اللا شبع» والخوف وانعدام الأمان، رغم أنهم يعيشون نمط حياة لم يتسن لأمم وأجيال من قبلهم.. المقلق في الأمر أنه بمرور الوقت على تفشي مثل هذه الأفعال تصبح شائعة ومعتادة وغير مستنكرة.. والأخطر من ذلك أن الأفراد يصابون بالعدوى من بعضهم فيتماهون وتتشوه ملامحهم الاجتماعية ولغتهم وسلوكهم في نوع معين من «التوحش الأخلاقي».. أعتقد اننا إذا لم نستطع تهذيب الفكر والسلوك البشري بطريقة تكفل حدا أدني ومقبولا من التفاعل الاجتماعي الأخلاقي بين الأفراد، فنحن بحاجة إلى تعلم فنون شحن طاقات الصبر واللياقة النفسية للتعايش مع هذا الواقع بدون تدمير أو تشوه ذائقتنا الأخلاقية.