محمد العصيمي

الواقعية السعودية الجديدة

على خلاف ما تعود عليه المسؤول العربي، لا يتحدث سمو الأمير محمد بن سلمان عن شيء لا يدخل في باب الحقائق والأرقام. لا يطلق وعودا فضفاضة ولا يرسم أحلاما وردية ولا يذهب بك إلى البحر ويردك عطشان. يقدم ويشرح لك، كما فعل الأسبوع الماضي، الأمور بما هي عليه الآن وبما يُحتمل أن تكون عليه في المستقبل. وحديثه، بالمناسبة، لا يتغير ولا يتناقض، سواء أكان مع مجموعة كتاب يستضيفهم ويناقشهم، أو كان هذا الحديث على شاشات التليفزيون. وهذا يعني أنه يعرف ما يتحدث عنه وهو ينقل معرفته هذه دون تغليف أو تذويق، لأنك طالما تتحدث بالحقائق فأنت لا تحتاج إلى هذا التغليف أو هذا التذويق. ولذلك، حين سأله داود الشريان عن إمكانية إيقاف العلاوات والبدلات مرة أخرى بعد إرجاعها، لم يقل إن ذلك لن يحدث، بل قال إن الأمر منوط بالحالة الاقتصادية التي تكون عليها المملكة، مع إبدائه كثيرا من التفاؤل بأن التعافي الاقتصادي، نتيجة لجملة تدابير وخطط اقتصادية متوالية، مرشح للصمود والاستمرار. وهذه هي الواقعية السعودية الجديدة التي تتعامل مع الأمور كما هي في حقيقتها على الأرض وليس ضمن تلك الوتائر العربية المعروفة التي طالما تجاهلت الواقع وعلقت الناس بالأماني والوعود الزائفة. يصنع السعوديون الآن حالة واقعية جديدة في التواصل بين المسؤول والمواطن. وهذه الحالة مرشحة للانتشار على كل نطاقات تداول الأفكار والآراء والرؤى والمسؤوليات، باعتبار أن القيادة قدوة، من عندها يبدأ التغيير في الخطاب والممارسات، ثم يعم هذا التغيير باقي مفاصل الدولة، إلى أن يصبح ثقافة سائدة يعتنقها ويمارسها الجميع. وهذا هو ما يثير التفاؤل بأننا فعلا نسير على الطريق الصحيح، باتجاه مستقبلنا الاقتصادي والاجتماعي، إذ ليس هناك ما هو أنجع وأكثر تأثيرا في حياة الشعوب من أن تعرف -عن يقين- أين تقف وإلى أين تتجه.