دعوة للتأمل في مصدر اللغة
توجد فرضيات عديدة تناولت بداية ظهور اللغة لأول مرة، إحداها تقول إن تطور اللغة يرجع لقدرة البشر على الغناء في وقت مبكر، وأخرى تقول: إن موهبة التخاطر (التيليباثي) كانت موجودة وقوية عند الإنسان في العصور القديمة قبل اللغة، ومحركها الأساسي هو «الغدة الصنوبرية» التي عن طريقها يتسلم الإنسان أو يرسل من وإلى العالم الخارجي كل رسائله الذهنية، وربما ضعف (التخاطر) بالتدريج بعد أن تعلم الإنسان النطق، بينما حددت بعض الدراسات أن اللغة «البابلية» هي اللغة الأم التي تكلم بها البشر منذ ما يزيد على 5000 عام، وفرضية أخرى تقول إن أصل اللغات واحد هو اللغة الآرية المفقودة، وفرضية خامسة تقول إن الإنسان تعلم النطق قبل 200 ألف سنة، أي قبل جميع الحضارات المعروفة، وهنا يأتي السؤال: من هم الذين تحدثوا قبل 200 ألف سنة؟! كل هذه فرضيات لم يتسن للعلماء تأكيدها، وربما بعضها يتناقض مع الاكتشافات الحديثة التي تشير إلى أن الإنسان (آردي) كان في أفريقيا قبل 4.400 مليون سنة، فلماذا لا يكون أصل اللغة افريقيا بدلا عن بابل والحضارات الأخرى؟ يعتقد أن هناك أجناسا بشرية كثيرة ظهرت قبل الإنسان الحالي، وجاء في الأثر أن عدد الرسل الذين أرسلهم الله لخلقه بلغ 24 ألفا، لم يذكر منهم القرآن سوى خمسة وعشرين فقط «ورُسُلا قد قصصناهُم عليك مِن قبلُ ورُسُلا لم نقصُصهُم عليك»، كما جاء في الأثر (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب قال: رب وماذا أكتب؟ قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة). نحن لا نعرف اللغة التي تحدث بها القلم والأرض والسماء، ولكن لنسترشد بقوله تعالى «قُل سِيرُوا فِي الأرضِ فانظُرُوا...» فالآية تحثنا على النظر والتأمل والدراسة والبحث والاكتشاف. خصص العلماء علما لدراسة اللغات ونشأتها، أطلقوا عليه «علم الفيلولوجيا»، وقد يجيبنا على السؤال ويقول: إن القارة الافريقية هي أصل اللغات وليس بابل والحضارات الأخرى، فافريقيا تضم ربع لغات العالم إلا أن 80% من لغاتها شفهية، وثبت أنها أصل البشر. مؤخرا حذرت منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة (اليونسكو) من زوال نصف لغات العالم تقريبا والبالغ عددها أكثر من ستة آلاف لغة، فهل هذا التحذير ينبئ عن زوال اللغات وعودة الإنسان إلى التخاطر مرة أخرى؟!.. وهل التخاطر كان البداية؟!.