الأمن أولا أم الاقتصاد؟ «2»
منطق الأمور يقضي بأن تقوم دول العالم النامي بالاستجابة للأفكار الخلاقة، وتناول البديل لهذا المفهوم الغربي، قبل أن تأتيها هزة عنيفة، والبديل الأمثل الذي أعنيه هو تطبيق المفاهيم الربانية التي تهتم بتطور الفرد وازدهار واستقرار المجتمعات، وتلاحم الشعوب مع قاداتها، لأن هذه المفاهيم قائمة على تعليمات الخالق جل علاه، الذي علم آدم الأسماء كلها، وعلم محمدا صلى الله عليه وسلم متى وكيف وأين يبدأ رسالته، وتقوم استراتيجية هذه المفاهيم على «الاقتصاد ثم الأمن» وليس على «الأمن ثم الاقتصاد»، كما جاء في قوله تعالى: «فليعبُدُوا رب هذا البيتِ الذِي أطعمهُم مِن جُوعٍ وآمنهُم مِن خوفٍ».إن قوله تعالى يشير إلى أن الاقتصاد يأتي قبل الأمن، ولقد طبق السلف الصالح في عصر النبوة وجزء من عصر الخلفاء هذا المفهوم في إقامة إحدى أعظم الحضارات، كما نهضت اليابان بعد ان قدمت الاقتصاد على الأمن، وكذلك المانيا- بعد نهاية عهد هتلر عادت إلى «الاقتصاد ثم الامن» وبرز دورها العالمي في الاهتمام بالسلام والتسامح، وايضا الصين- بعد موت ماوتسي تونغ- اعتنى خلفه «دنج اكسياو بنج» بالاقتصاد والانفتاح ووضع الصين على مسار الازدهار، وها هي هيئة الأمم تفطن لأهمية هذا المفهوم في برنامجها الإنمائي، وأخذت تناقش مواضيع مثل «التحرر من العوز» و«التحرر من الخوف»، كما تنبهت المغرب لهذا المفهوم مؤخرا، وقدمت مقترحا يفضي الى إقامة «منطقة للتجارة الحرة» وبررت ذلك على انه «حلول اقتصادية لمواجهة التهديدات الأمنية» التي تمر بها منطقة الساحل الافريقي.اليوم، آن الأوان لتحريك الفطنة والاهتمام، والعمل على نقد أو حتى «نقض» كل المفاهيم الغربية والقائمة على «الأمن ثم الاقتصاد» في الازمات وفي غيرها، تلك المفاهيم التي استمرت «تُفعل» في الدول النامية و«تُعطل» في العالم المتقدم، ففي العالم المتحضر حسم أمر هذا المفهوم «الأمن ثم الاقتصاد»، وأصبح- الآن– من الأمور التي تهم المؤرخين، بينما منذ نصف قرن تقريبا والدول النامية تمارس هذا المفهوم في الازمات وفي غيرها، دون أن تعي أن التغيير هو سنة من سنن الله في الحياة، وأن الأفكار المهمة تعنى المراجعة المستمرة للمفاهيم.. وهنا أتساءل: هل ستودع الدول النامية مفهوم «الأمن ثم الاقتصاد» بعد زوال الازمات وتنحاز لمفهوم «الاقتصاد ثم الأمن» الذي ينطلق من أخلاق الإسلام الرفيعة التي أوجزت في قوله تعالى «أطعمهُم مِن جُوعٍ وآمنهُم مِن خوفٍ».. أم ستبقى حارسة لمفهوم «الأمن ثم الاقتصاد» إلى أن يأتي اليوم الذي تقول فيه للمستعمر الغربي: «أُكلت يوم أكل الثور الأبيض»؟!