السعادة في يومها العالمي
السعادة مثل الحلم الجميل الذي نظل نطارده فلا نستطيع الإمساك به، وكلما ركضنا خلفه بشدة ابتعد عنا أكثر. إن حرصنا الشديد والتفاني في البحث عنها يجعلنا في بعض الأحيان نمر عليها ولا نشعر بها!فكم من اللحظات مرت السعادة علينا كأنها نسمات باردة، ولكن انشغلنا عنها حتى فقدناها،هي شيء لا يسكن في عالم الملموسات، بل هي نعمة تعيش في عالم المحسوسات، وعلى شواطئ المعنويات والروحانيات. هي لا تقاس في عالم الأرقام والأوراق، بل هي تعيش دافئة في أحضان القلوب والنفوس.في هذا الشهر الحالي جعلوا للسعادة يومًا عالميًا يحتفل به، وأطلقوا عليه «اليوم الدولي للسعادة» وهو يوافق 20 مارس من كل سنة. والسعادة من وجهة نظر الأمم المتحدة حين حددت لها يومًا، وخطت سبعة عشر (17) هدفًا من أجل إنهاء الفقر، وخفض درجات التفاوت والتباين بين الشعوب، وحماية كوكبنا الأرض، كل ذلك ظنًا منها أنه سوف يؤدي إلى رفاهية الإنسان وسعادته. فهل حققوا ولو جزءا يسيرا من ذلك؟ أم أن بؤس الإنسان زاد بسبب ازدياد الحروب والمجاعات والفقر على مستوى العالم؟. والأمر الآخر هل هي تُحدد في يوم أو ساعة أو لحظة؟ وما هي ماهية السعادة؟ وهل هناك سعادة وهمية وأخرى حقيقية؟أولا دعونا نفرق بين السعادة والراحة، الراحة هي أن نتمتع بالأشياء المادية التي من حولنا حين نشتريها أو نقتنيها أو نتملكها، ولكن كل تلك الأشياء لا علاقة لها بالسعادة؛ لأن الفقير قد يكون أسعد من الغني. ودليل آخر على ذلك أن كل شيء نتملكه نفرح ونرتاح له، ثم مع الوقت يفتر بريقه، ويفقد رونقه، وبالتالي تمل منه النفوس، فإما نرميه أو ننساه. ونبدأ في دوامة أخرى بحثًا عن الجديد لعله يهبنا شيئا من الراحة المتقطعة لا السعادة المتصلة.إذا ما هي السعادة وما تعريفها ؟! تعددت تشخيصاتها، وكلٌ سوف يفسرها من منظوره الخاص، ولعل آراءنا أصلا هي عبارة عن عوامل داخلية ومؤثرات خارجية (البيئة المحيطة). فالبعض يراها في الإحساس بالمتعة والراحة. ومنهم من يقول هي: الشعور بالرضا في كل الأحوال. والبعض يزعم أن السعادة في السعي إلى تحقيق الأهداف، والبعض الآخر يرى سعادته في أن يعيش في عالم الأماني والأحلام. وهناك من يقول: إنها تأتي من القناعة. إذا مفهومها وتعريفاتها مختلفة من شخص إلى آخر، وربما من جيل إلى آخر.وأما هؤلاء الذين يبحثون عنها في بحر العلوم والنظريات، فهناك هرمون مسؤول عن تنظيم مزاج الإنسان ويسمى هرمون السعادة، واختصاره علميًا هو (HT-5)، فهل يستطيع الإنسان أن يتحكم بهذا الهرمون إراديا؟!. وحتى لو تحكم به، فهل سوف يمل منها كما مل من الأشياء المادية الأخرى بعد أن قضى منها وطرا؟!وأما من الناحية الفلسفية، فأرسطو مثلا يرى السعادة هدفًا بحد ذاته، وهي المحور الرئيسي في حياة الإنسان، بمعنى أن كل ما نقوم به من أقوال وأفعال هو من أجل البحث عنها، وبمعنى أوضح هي غاية كل حي. وأما الفيلسوف سقراط (معلم أرسطو) فيرى أن الفضيلة هي البوابة التي تجعلنا ندخل إلى عالمها. والحكيم الصيني كونفوشيوس له فلسفة خاصة عنها، فيقول السعادة بطول قامة الإنسان.ولكن لو اختلفنا في تعريفها دعونا نتفق على شيء وهو أن الإنسان الذي ليس له هدف سامٍ ومفيد يعيش من أجله العمر كله، فهو أقرب للتعاسة منه للسعادة.