جدد أكسجين العقل
إذا أردت احداث تغييرات صغيرة متدرجة فاعمل على الممارسات والسلوك، أما إذا أردت إحداث تطويرات كبيرة فاعمل على المنظور.إن كلمة منظور (paradigm) هو مصطلح علمي بات اليوم يستخدم بشكل شائع بمعنى الإدراك أو الافتراض المسبق أو الإطار المرجعي، أي العدسات التى نرى العالم من خلالها، وهو أشبه بدور خريطة الموقع، فإذا لم تكن الخريطة صحيحة فلن تصل إلى هدفك مهما بذلت من جهد أو فكرت بإيجابية، فلن تجدي الإيجابية قبل تصحيح الخريطة أو تعديل المنظور.وللمؤلف جون غاردنر عبارة تقول، «معظم المؤسسات المريضة أو العلاقات المضطربة أو الشراكات المتوترة قد طورت عمى وظيفيا يمنعها من رؤية عيوبها، فمعاناتها ليست لعدم قدرتها على حل مشاكلها، بل لعدم قدرتها على رؤية هذه المشاكل».في العصور الوسطى مثلا كان المنظور السائد لعلاج الناس هو في عملية سحب الدم (الفصد)، لاعتقادهم حينذاك أن العناصر الفاسدة موجودة في الدم وكل ما يجب فعله هو إخراجها، وإذا لم نضع ذلك المنظور حينها موضع التساؤل فسيصب التركيز كلية على القيام بالمزيد من الجهود في الإسراع بعملية الفصد، أو تخفيف ألم الفصد، أو نحو شراء أفضل وأكبر آلة للفصد، أو تعليم الناس كيف يفكرون بإيجابية أثناء عملية الفصد، دون أن نلمس أي جدوى في نسبة الشفاء.وعندما اكتشف العلماء الكبار أن الجراثيم هي السبب الأساسي للأمراض تغير الوضع تماما، وفسر سبب ارتفاع أعداد الرجال الذين يموتون في الحرب بسبب الجروح أكثر من الذين يموتون بالرصاص، فالتهابات الجروح كانت تعمل على انتقال الجراثيم بسرعة في صفوف الجرحى، كما أجابت نظرية الجراثيم على سبب تفضيل النساء الولادة عن طريق القابلات لأنهن أكثر نظافة من التعرض لأجواء المستشفى الملوثة.إنها تلك القوة التي يملكها المنظور الصحيح، ومدى قدرته على اقتلاع المنظور القديم ومقاومة جذوره المتغلغلة، فكثير من المنظورات الخاطئة استمرت لقرون رغم اكتشاف الأفضل منها، حيث يرفض الكثير استقبال أي معلومة جديدة أو فكرة تخالف القالب الذهني الذي اعتادوه، وهذا ما شكل السبب الرئيسي في رفض دعوة الرسل بحجة مخالفتها رؤيتهم القديمة أو المنظور الذي وجدوا عليها آباءهم. حين تمكن العلماء من صعود القمر لأول مرة تعرضنا لمنظور جديد للكون واستطعنا رؤية الصور التي تم التقاطها للأرض ككل متكامل، فتغيرت نظرتنا كليا لعالمنا وأنفسنا، فالمنظور وجهة نظر جديدة تمنح تفسيرات مختلفة للغاية، وكلما تشبثنا بوجهات النظر المقيدة تتصلب نماذجنا العقلية ويختنق عالمنا، أما حين نسمح باستقبال منظورات متجددة فإن ذلك يوسع نماذجنا العقلية ويسمح باستقبال منظورات متجددة ويجدد أكسجين العقل.