الإعلام الإلكتروني وجدية الطرح
كلما اتسعت دائرة التعاطي مع الإعلام الإلكتروني، زادت الوساوس والتوجسات من الخطورة المحتملة الناتجة عن ذلك، خاصة وأن مصطلح الإعلام الإلكتروني لم يعد مقتصرا على استفادة وسائل الإعلام التقليدية من تقنيات العصر، بل تجاوز ذلك إلى ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي، التي أتاحت لكل فرد أن تكون له صحيفته الخاصة، وعالمه الافتراضي الذي يعيش فيه، ويشغله عن كل من حوله وما حوله، وفي حسابه على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي يمكنه أن ينشر ما يشاء، أو يتلقى من خلاله سيلا من المشاركات سواء عن طريق مقاطع الفيديو أو الصور أو المشاركات الكتابية، وهي التي غالبا ما تكون أكثر وسيلة للتلاعب والدس والإساءات المفتعلة، فليس هناك ما هو أسهل من الكتابة، التي تغيب عنها المسئولية أو الإحساس بالنتائج، وقد توظف من قبل الأعداء لنشر ما يسيء للأفراد أو المجتمعات أو الدول، فالفضاءات المفتوحة التي توفرها الإنترنت كثيرا ما تستغل للضر وليس للنفع، مما يعني حاجة كل فرد لفلترة ما يتلقى قبل أن يحكم عليه بالسلب أو الإيجاب، وتتضح خطورة هذه الفرص التي تتيحها وسائل التواصل الاجتماعي في أن هذه الموجات العاتية من المشاركات الموجهة أو غير الموجهة، أصبح ركوبها متاحا لغير الراشدين من صغار السن، بل حتى كبار السن الذين لا يعون نتائج تصرفاتهم، فيكتفون بدور المتلقي دون القدرة على التصدي للأخطاء والأخطار التي تبثها قنوات الضخ الإعلامي الموجهة، وبأساليب قد تنطلي على حتى الحذرين من هذه الأخطاء والأخطار. أقول هذا الكلام بمناسبة انعقاد ملتقى الإعلام الإلكتروني الثاني الذي نظمته في نهاية الأسبوع الماضي صحيفة «موطن الأخبار» الإلكترونية، واحتضنه نادي الأحساء الأدبي، ليثبت هذا النادي مرة أخرى أن دور الأندية الأدبية لم يعد مقتصرا على الأدب فقط، بل يشمل كل ما قد يشغل أذهان الناس من هموم وقضايا تتعلق بواقعهم ومستقبلهم، وشاركت في هذا الملتقى نخبة من الإعلاميين من ذوي الخبرة في الإعلام التقليدي أو الإعلام الإلكتروني، وقد اتسمت مشاركاتهم بجدية الطرح وعمق المعالجة، ومن حضر ندوات هذا الملتقى اكتشف حتما ليس تأثير الإعلام الإلكتروني على الإعلام التقليدي فقط، بل أيضا وتأثير هذا الإعلام على الفرد أولا ثم على المجتمع والتنمية والاقتصاد والأخلاق ومستقبل الوطن والأمة والعالم، ولعل الأرقام المهولة التي توضح الانتشار المتنامي للإعلام الإلكتروني تضع أمام المتلقي الكثير من الأسئلة التي تظل بلا جواب، لأن هذا المتلقي يجد نفسه في طريق شائكة تستوجب الحذر والتيقظ حين التعامل مع هذه الوسائل المفروضة عليه دون أن يملك فرصة الهروب منها، حتى لا يصبح معزولا عما يجري حوله من أحداث أو مستجدات ذات تأثير مباشر على حياته الخاصة والعامة، وإذا كانت الصحافة الإلكترونية هي صحافة المستقبل دون شك، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تضاف إلى الإعلام الإلكتروني وهي تحمل من الأخطار والتحديات ما يفوق الوصف ولا مهرب من مواجهتها دون القدرة على تجنب نتائجها، مع معرفة هذا المتلقي التامة بأن الانغماس في التعامل معها لدرجة الإدمان، يشكل خطرا آخر يؤثر على سلوكه وصحته وقدرته على تقويم الأمور تقويما متزنا وحكيما، بل وتدفعه للتقوقع على ذاته، منشغلا في عالمه المذهل عن كل ما حوله، ولم يعد مستغربا أن يجتمع أكثر من فرد من أسرة واحدة وفي مكان واحد، وكل منهم منشغل بنفسه غافلا عما حوله، وفي هذا ما فيه من تفكك أسري يؤدي إلى تفكك اجتماعي أصبح مقلقا لكثير من الناس الذين لا يجدون حلا لهذه المعضلة الأسرية/ الاجتماعية. هذا الطرح لا يعني السلبية المطلقة في التعامل مع الإعلام الإلكتروني، بل يعني الإعداد التربوي والتعليمي للأجيال القادمة من الشباب لاكتساب الحصانة ضد السلبيات وتجاوز التحديات مهما كان مصدرها، وزرع القيم الأخلاقية المتوازنة في نفوس الناشئة، فهذا هو أحد وسائل التصدي لهذه السلبيات، وهو أمر يستوجب تكاتف كل الجهود للوصول إلى هذه الغاية، وأي جهد إصلاحي في هذا الاتجاه سوف يخفف من وطأة هذه السلبيات، ويقلل من خطورتها، فالتعليم لا بد أن تتضمن برامجه معالجة واقعية للتوعية بالأخطار المحدقة بالشباب، والأسرة لا بد أن تتوقف عن توفير أجهزة الهواتف الذكية لأولادها بهذا الشكل اللافت للنظر بعد ان أصبحت متوافرة في أيدي الأطفال، ومعها فرص الدخول إلى الشبكة العنكبوتية كما تسمى، والضياع في متاهاتها المجهولة، والمجتمع بمنابره الدينية والثقافية، ومؤسساته المدنية المختلفة له أيضا دوره في التصدي لهذه الموجات العاتية من المشاركات العشوائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والاختيار المناسب منها بما يفيد دون ضرر، ويعطي دون خطر، ويوسع دائرة المعرفة لدى الفرد والمجتمع في إطار من التوازن بين متطلبات الواقع وتحديات المستقبل. والقول إن عالم اليوم أصبح قرية واحدة لا يعني التجرد من الهوية والانغماس في العزلة، أو الهرولة وراء كل ما هو جديد من تقنيات وافدة، فالأجدى من ذلك هو الاختيار المناسب لما يخدم المجتمع والوطن والأمة. وهذه هي بداية الاستقلال في القرارات المصيرية، والابتعاد عن التبعية التي لا تتيح المشاركة في صناعة حضارة العصر.