النخب الفكرية وصناعة الوعي
أحد الأسباب التي تدفع بعض الكتاب أو المثقفين أو نخبة الرأي بشكل عام، إلى الإحجام عن ذكر بعض الحقائق أو المعلومات والتصريح بها مباشرة؛ أن كثيرا من عقول الجماهير لن تتقبلها، بل وربما تتهم صاحب الرأي في دينه أو أخلاقه. وبالطبع هذا لا يبرر حجب الحقيقة أو الآراء من قبل الصفوة الفكرية؛ لأن النخب الفكرية والعلمية والشخصيات المؤثرة تتحمل مسؤولية الوعي وإرشاد الناس لمناهج التفكير العقلاني.. لكن الملاحظ عبر التاريخ، أن النخب الفكرية التي آثرت أن تواجه التيار الجمعي من العقول المبرمجة بالحقائق، دفعت ضريبة عالية من الإيذاء والاتهامات وهذا مصداقا لقول سقراط عندما قال: «ويل لرجل سبق عقله زمانه».. مثال ذلك بعض آراء الكتاب أو المفكرين التي طرحت في سنوات التزمت الفكري والانغلاق المنطقي في عهود مضت قوبلت من قبل الناس بالرفض بل والطعن في أخلاق صاحبها ودينه.. والآن نجد المفارقة في أن أصبحت آراء هؤلاء المفكرين المغضوب عليهم تحظى بشعبية وانتشار واسع بين الجماهير، وذلك لأنها أصبحت مفهومة بشكل أكبر مقارنة بالحقبة التي طرحت فيها، فشريحة كبيرة من الناس أصبحت أكثر وعيا وقدرة على الفهم الموضوعي المنطقي بشكل أكبر عن ما مضى.. لكن عامة في كل حقبة زمنية هناك عقول ومفكرون يسبق وعيهم وفكرهم زمانهم ومثل هؤلاء يوفرون على الناس كلفة اجتماعية ونفسية عالية لو تمت الاستفادة منهم.. وفي مقابل ذلك، وفي ذات الوقت، نجد فئة عريضة من العقول مبرمجة على معلومات تعتقد يقينا بأنها حقائق لا يخالجها شك، وترفض البحث فيها، وتعتبر من يحاول نقاشها أو عرض رأيه فيها أنه صاحب توجهات تخريبية مغرضة ولا تتوانى عن اتهامه بأقذع الصفات وهذا النوع من العقول يحتاج إلى خطة توعوية تدريجية في تجريعه منتجات الوعي وليس الحل معه الجبن عن مواجهته اتقاء شره.. المشكلة الراهنة، ليست في أن من يمتلكون أدوات الوعي والتفكير والمعلومات يحجمون عن ذكر ما هو حقيقي للناس بحثا عن السلامة من غوغائيتهم، بل المشكلة المستفحلة ان من يملكون أدوات التضليل والمعلومات المتضاربة والوعي المضلل هم من يطرحون أفكارهم بجرأة ودون تحفظ!! هناك مطالبات برفع سقف هامش حرية الرأي في الإعلام، وللأسف نحن نرى مع ارتفاع هذا الهامش في السنوات الأخيرة ارتفاعا في التضليل والحقائق والأقوال المتضاربة.!! ربما لأن النخب الفكرية أصبحت تتماهى مع الذائقة الجماهيرية العامة، التي تنشد الإثارة وإرضاء العاطفة والتنفيس أكثر مما تنشد الحقيقة.. أو ربما أن الفئة المتصدرة قيادة الوعي تعاني هي بذاتها خللا في مفاهيمها ووعيها ومنهجيتها في التفكير.. ومهما كان الحال عليه، ما يجب تأكيده هنا أن الإحجام عن قول الحقائق أو التوعية الصريحة من قبل كبار المفكرين وقادة الرأي اتقاء غوغائية الجماهير هو أحد درجات الجبن التي لا تليق بأي قائد فكر أو رأي أو قدوة، كما أن الأفراد يجب تعويدهم مهما اختلفت انتماءاتهم وتوجهاتهم الفكرية على تقبل آراء الأطراف المقابلة، وهذا التقبل لا يعني الإيمان بها أو تصديقها بشكل مطلق، إنما الوقوف منها في منطقة المحايدة بحيث تكون في دائرة الشك الظني الذي يكفل لها الاستقراء والتتبع المنطقي والعقلاني لحين دحضها أو قبولها بعين الاعتبار، وذلك عن طريق اكسابهم قواعد التفكير السليم وليس البرمجة العقلية، وليس للتعليم والعلم قيمة إن لم يكسب أفراده هذه القيم.